تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5705

مساهمون:

ص٥٧٠٥
والمباحات في الوجود كثيرة ، وما أكثر ميادين الحرية في الحياة ، وما حدده لك الحق سبحانه وتعالى ب « افعل » و « لا تفعل » ، لا يخرج عن أمور محصورة تصونك وتصون مجتمعك ، وكذلك الكون الذي تحيا فيه . وإن مارست أيها الإنسان حريتك في الأمور المباحة على أي لون شئت ، فذلك لا يفسد الكون . وقد شاء الحق سبحانه - أيضا - أن تكون مقهورا في بعض الأمور حتى لا يفسد الكون ، فإن أكلت ما شئت من المأكولات غير المحرمة ؛ فأنت حرّ ، وإن سلك كل إنسان كما يهوى في الأمور المباحة ؛ فلا مانع لذلك . وكل البشر يختلفون . وأراد سبحانه أن يحمى الإنسان والكون ؛ لأنه علم أزلا أن أهواء البشر تتضارب ، وهو القائل :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ
« 1 »
لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . . .
( 71 ) [ المؤمنون ] ولهذا نرى أن تدبير اللّه فيما لا دخل لنا فيه ، تدبير محكم ، وما يسير بدون تدخّل من البشر إنما يتبع نظاما مستقيما ، وشاء الحق أن يجعل نواميس الكون تعمل بدقة يندهش لها المؤمنون بالله والكافرون به « 2 » ، فسبحانه يحكم في ملكه بدقة متناهية ؛ حتى إن بعض العلماء ممن لا يؤمنون بمنهج اللّه قد حددوا مواعيد الكسوف الكلى أو الجزئي
هامش
( 1 ) هوى النفس : إرادتها ، والجمع : أهواء . والهوى : محبة الإنسان الشئ وغلبته على قلبه ، قال تعالى :وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى( 40 ) [ النازعات ] أي : نهاها عن شهواتها ، وما تدعو إليه من المعاصي . ومتى تكلّم بالهوى مطلقا لم يكن إلا مذموما حتى ينعت بما يخرج معناه ، كقولهم : هوى حسن ، وهوى موافق للصواب . ( 2 ) نواميس الكون : أسراره . والناموس في اللغة : صاحب سر الملك أو الرجل الذي يطلعه على سره وباطن أمره ويخصه بما يستره عن غيره .
تفسير الشعراوى — صفحة 5705 | محمد متولي الشعراوي