تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5704

مساهمون:

ص٥٧٠٤
ليحسّن مما لكم فيه دخل ، ويجعل أموركم منتظمة ، وكل ذلك يدخل ضمن تدبير الأمر . وأنت إذا نظرت إلى معنى كلمة « أمر » تجد أنها كل شئ ينشأ ، ولماذا عدل سبحانه عن قول : « شئ » إلى قول : « أمر » ؟ ؛ لأن كل شئ لا يوجد في الوجود إلا ب « كن » وهي أمر . وسبحانه القائل :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) [ يس ] وسبحانه يدبر الأمر في السنن المادية التي لا تتناولها يد الإنسان ، فإن أراد الإنسان أن يضبط أمور حياته ، فليأخذ بالمنهج الذي أنزله اللّه ب « افعل » و « لا تفعل » ، وأما المباحات فهي كثيرة ، والإنسان حرّ فيها . وإذا ما سأل سائل : ولماذا أتّبع المنهج ؟ أقول : إن الحق شاء أن يخلق الإنسان على هيئتين : هيئة إرغامية « 1 » قهرية ، وهيئة اختيارية ، فأنت أيها الإنسان مقهور في أشياء ، ومختار في أشياء أخرى ؛ أنت مقهور في التنفس ، وتتنفس آليا دون تدخّل منك ، تتنفس مستيقظا أو نائما ، ولو كان التنفس باختيارك ، لاحتجت إلى من يدير حركة تنفسك وأنت نائم ؟ إذن : فمن رحمته سبحانه أن جعلك مقهورا في مثل هذه المسألة وكذلك نبضات قلبك ، أنت مقهور فيها ، وكذلك أنت مقهور في الحركة الدودية للأمعاء ، وللحركة الانبساطية والانقباضية في المعدة ، وإفراز العصارات الهضمية ، كل ذلك أنت مقهور فيه ، وأنت مختار في أشياء أخرى ، كأن تشترى من البائع الفلاني ، أو بائع غيره ، وأنت مخيّر في أن تختار أصناف الطعام التي تهواها .
هامش
( 1 ) أرغمه : حمله على ما لا يقدر أن يمتنع عنه . والرّغم : القسر والإجبار .