تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5674

مساهمون:

ص٥٦٧٤
منهجه ، أما موقف الكافرين فهو مختلف ؛ لذلك يقول فيه الحق سبحانه :
قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ
( 2 ) [ يونس ] ولماذا جاء سبحانه بخبر الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة ؟ ونقول : إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حين أبلغ المنهج عن اللّه ، استقبله أهل الإيمان بالتصديق ، أما الكافرون فقد اختلف موقفهم ، فاتّهم بعضهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه ساحر « 1 » . وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالآية ؛ لأن القرآن يحذف أشياء أحيانا « 2 » ، لأن لباقة السامع ستنتهى إليها ، فلا يريد أن يكرر القول . وانظر إلى قصة بلقيس ، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان :
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ . . .
( 22 ) [ النمل ] هذا هو الهدهد وهو المخلوق الأقل من سليمان عليه السّلام يقول له : لقد عرفت ما لم تعرفه أنت ، وكأن هذا القول قد جاء ؛ ليعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا ، فهو يهب لمن دوننا ما يعلّمه لنا ، ألم يعلّمنا الغراب كيف نوارى سوأة الميت ؟
هامش
( 1 ) اختلف الكافرون فيما بينهم في الوصف الذي يريدون إطلاقه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لتشويه صورته أمام وفود الحجيج القادمة في الموسم فأرادوا أن يجمعوا على رأى فيه ، أورد ابن هشام في السيرة النبوية ( 1 / 270 ) : « اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ، قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقول به ، وانتهى الأمر على القول بأنه ساحر رغم التناقض فيما بينهم . ( 2 ) الحذف هو نوع من أنواع الإيجاز ، ويكون حسنا لقوة الدلالة عليه ، أو يقصد به تعديد أشياء ، فيكون في تعدادها طول وسامة ، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال ، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها .
تفسير الشعراوى — صفحة 5674 | محمد متولي الشعراوي