تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5670

مساهمون:

ص٥٦٧٠
يا محمد أن تبشرهم بالجنة . ذلك أن لهم سابق قدم ، سعى إلى الخير ، وهو قدم صدق . لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه « قدم كذب » ؟ نعم ، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس ، فيصفونهم بما لم يكن فيهم ، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب . قدم الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهّلتهم لأن يكونوا موضع البشارة ، فهم قد صدقوا المنهج ، وأعطوا من واعد حق . والصدق - كما نعلم - هو الخصلة التي لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها ؛ لأنه لو تنّحى عنها ، فهذا يعنى التنحّى عن الإيمان . وحينما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيكون المؤمن جبانا ؟ فقال : نعم ، فقيل له : أيكون المؤمن بخيلا ؟ فقال : نعم ، فقيل له : أيكون المؤمن كذابا ؟ فقال : لا « 1 » . إذن : فالصدق هو جماع الخير . وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون . وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء ؛ ويصدق العامل في إخلاصه للعمل ؛ ويصدق الصحفى في نقل الخبر ، ويصدق كل فرد في المجتمع ، هنا يتكامل المجتمع وينسجم ؛ لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب ، والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة . لذلك أتى اللّه بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع ، فهو القائل :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا
« 2 »
بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ . . .
( 93 ) [ يونس ]
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام مالك في موطئه ( ص 990 ) من حديث صفوان بن سليم مرسلا . ( 2 ) بوّأ : أنزل وأسكن . والمبوّأ : المكان الذي أنزلهم اللّه تعالى فيه .