الاختيار في أشياء ، ولم يقل سبحانه : « مليك النّاس » ؛ لأن هذا القول يعنى أنهم مجبورون على الإيمان ، ولا يسعهم غير هذا ، ولكن اللّه جعلهم مختارين في الأمور التي هي مناط للتكليف « 1 » ، وغير مختارين في أمور هي ليست محلّا لهذا « 2 » .
وأقول لأي واحد ممن تمرّدوا على الإيمان ؛ فكفروا بالله ؛ أقول : أنت متمرّد على اللّه ، وتكفر به ، وتنكر الألوهية ، فلماذا لا تكون منطقيّا مع نفسك ، وتتمرّد على كل الأحداث التي تصيبك ، فإن أصابك مرض ؛ قل له : لا ، لن أمرض .
فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدرا شاءه اللّه ؛ لأن الأحداث « 3 » ستنال من كل إنسان ما قدره اللّه له .
إذن : فكل إنسان هو مملوك للّه . وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
( 1 ) [ الناس ]
وأن يقول :
مَلِكِ النَّاسِ
( 2 ) [ الناس ]
و « الناس » في الآية الأولى هم المربوبون ، والناس في الآية الثانية هم « المملوكون للّه » فلا أحد يخرج عن قدرة اللّه في الأمور القهرية .
وتأتى « الناس » في الآية الثالثة :
إِلهِ النَّاسِ
( 3 ) [ الناس ]
هامش
( 1 ) مناط للتكليف : أي محل وموضع للتكليف . مثل الإيمان أو عدمه ثم مقتضيات هذا الإيمان ولوازمه وشروطه . وهي أشياء جعل اللّه الإنسان مختارا فيها ، فله أن يؤمن أو يكفر . فإذا آمن فعليه أن يلتزم بمتطلبات هذا الإيمان ، وهو وإن كان ملزما بهذا إلا أن له الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل ، وبموجب هذا يكون الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة .
( 2 ) أما الأمور التي يكون الإنسان فيها مجبرا غير مختار فهي التي تتعلق بوجوده في هذه الحياة من زمن ميلاده ومكانه والظروف المحيطة به ورزقه وهيئته وخروجه من هذه الدنيا .
( 3 ) الأحداث : حوادث الدهر وحدثانه أي : نوبه وما يحدث منه ، واحدها حدث ؛ والحدث من أحداث الدهر : شبه النازلة والرزء والمصيبة .