تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5658

مساهمون:

ص٥٦٥٨
ينقلب الملك إلى مرتبة بشرية ؛ وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما هو ، مثلا دخل جبريل على رسول اللّه ، وكان معه بعض من الصحابة ، وسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما الإيمان ؟ وما الإسلام ؟ وما الإحسان ؟ ثم اختفى السائل ، فسأل الصحابة رسول اللّه عن هذا السائل ؛ فقال : « هذا جبريل جاءكم يعلّمكم أمور دينكم » « 1 » . هذه هي الصورة الأولى في الوحي ، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا مشقة فيها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أما الصورة الثانية ، فقد كان فيها مشقة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن الملك يظل على طبيعته ، والتحول إنما يحدث لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان التحول يقتضى عملية كيماوية تصيبه بالجهد ؛ فيقول بعد أن يسرى عنه : « زمّلونى » . وشاء الحق أن يتلطف برسوله ، ففتر الوحي فترة من الزمن . وقال الكافرون من العرب : إن رب محمد قد قلاه « 2 » وهذا غباء منهم ؛ لأنهم
هامش
( 1 ) عن عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال : صدقت . قال : فعجبنا له يسأله ويصدقه قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال : صدقت . قال : فأخبرني عن الإحسان . قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . . . » الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ( 50 ) ومسلم في صحيحه ( 8 ) . والشاهد من الحديث أن جبريل أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة بشرية ، فلم تكن شاقة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) عن جندب البجلي قال : أبطأ جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال المشركون : قد ودّع محمد . فأنزل اللّه عز وجل :وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى( 3 ) [ الضحى ] أخرجه مسلم في صحيحه ( 1797 ) والترمذي في سننه ( 3345 ) وقال : حديث حسن صحيح . وقد أورد ابن كثير في تفسيره ( 4 / 522 ) من الطريق الذي أخرج مسلم من الترمذي حديثه إلى جندب ، بلفظ : « فقال المشركون : ودع محمدا ربه » .