تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5660

مساهمون:

ص٥٦٦٠
الذي يحدث فيه الحدث اسمه « ظرف مكان » ؛ وظرف المكان ظرف قارّ « 1 » ثابت ، بينما ظرف الزمان غير قارّ ، بل هو حال ، وبعد قليل يصبح الحال زمنا ماضيا ؛ ويأتي المستقبل ليكون حاضرا ، ثم يصبح ماضيا . وهكذا نعلم أن زمنا يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي ، والليل والنهار هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف ، فالليل يأتي والنهار خلفه « 2 » ؛ لأن النهار جعله اللّه ضياء ؛ للحركة والكدح والعمل ، وجعل سبحانه الليل ظلاما ؛ للسكون والراحة ، فإن لم ترتح بالليل ؛ لا تقوى على العمل في الصباح ، وهكذا يكون الليل مكملا للنهار لا مناقضا له « 3 » . وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل ، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم فتر الوحي ليستريح صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ وتتجدد قدرته على استقبال الوحي من بعد ذلك . وحين قال الكافرون : إن ربّ محمد قد قلاه ، ردّ عليهم الحق سبحانه
هامش
( 1 ) قار : مستقر ثابت . ومنه أيضا القرار بمعنى الاستقرار ، كقوله تعالى :اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً . .( 64 ) [ غافر ] . ( 2 ) قال عز وجل :إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ . .( 164 ) إلى قوله تعالى :لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . .( 164 ) [ البقرة ] قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 201 ) : « أي : هذا يجئ ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة » ويقول سبحانه أيضا :وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً( 62 ) [ الفرقان ] أي : جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده له عز وجل ، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل . وقال مجاهد وقتادة : خلفة ، أي : مختلفين ، أي : هذا بسواده ، وهذا بضيائه . ( 3 ) يقول تعالى :وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ . .( 12 ) [ الإسراء ] وهاتان آيتان على توحيد اللّه وأن لهذا الكون إلها واحدا ، ولذلك يقول رب العزة :قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ( 72 ) [ القصص ] .