تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5656

مساهمون:

ص٥٦٥٦
الوحي « 1 » ، فقد جاء جبريل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبلغه أن يعلن ما أوحى إليه ، ولو كنت أنت قادرا على سماع الوحي من جبريل ، فما ضرورة إرسال الرسول إذن ؟ إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه تحتاج إلى قوة تحمل ، وضربنا المثل من قبل بأن الإنسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوى إلى مصدر ضعيف فهو لا يسرب الطاقة من القوىّ إلى الضعيف دفعة واحدة ، وإلا لما تحمّل الضعيف تلك الطاقة القادمة إليه من القوى ، ولذلك نحن نأتى بمحوّل يتحمل طاقة القوى ، ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته ، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربى حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد ؛ مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلا لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء ، وهو ما نسميه بالعامية « ونّاسة » . إذن : فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة القوى ؛ ليضىء لمصدر الطاقة الضعيف . فإذا كان اللّه سبحانه وتعالى هو الذي يوحى للرسول ، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن اللّه ؛ لذلك لا بد من واسطة تبلغ في الارتقاء بما يسمح لها بالتلقى عن اللّه ، وتستطيع أن تلتقى بالبشر ؛ وهذه خاصية الملك . ورغم هذا أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أول تلقيه للوحي ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعرق حتى يتفصد « 2 » العرق من جبينه ، وإذا انصرف
هامش
( 1 ) عن عائشة رضى اللّه عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علىّ فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول » أخرجه البخاري في صحيحه ( 2 ) ومسلم ( 2333 ) . ( 2 ) تفصد العرق : أي : سال العرق من جبينه . وقد قالت عائشة رضى اللّه عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا . أخرجه البخاري في صحيحه ( 2 ) ومسلم ( 2333 ) من حديث عائشة واللفظ للبخاري .