ومثال آخر : هب أنك ترى إنسانا يغرق أمامك في البحر ، فهل توبخه ؛ لأنه نزل البحر دون أن يتعلم العوم ؟ أم تنقذه أولا وتدفع الأذى عنه ، ثم توبّخه وتعاقبه بعد ذلك جزاء إهماله ؟
إنك تنقذه أولا ، وبذلك تكون قد قدمت الإحسان بدفع المضرة أولا ، وحتى إن عاقبته فهو يقبل منك العقاب أو النهر « 1 » ؛ لأن صنيعك أنقذه من الموت .
والحق يقول :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
( 185 )
[ آل عمران ]
إذن : فمراحل الفوز أن يزحزح الإنسان أولا عن النار ، ففي هذا سلب للمضرّة ، وجلب للمنفعة ، وإن ظل الإنسان في موقعه لا هو في الجنة ولا هو في النار ؛ فهذا هين أيضا . وإن أدخل الجنة فهذا هو الخير كله .
وإذا كانت هذه هي بعض من خصال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ،
و
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ،
و
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ،
و
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 2 » ، فهذه خصال إن استوعبها الإنسان فهو يندفع إلى اتباع هذا الرسول .
وقوله الحق :
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
نرى فيه الوصف ب « الرؤوف » والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة ، و « رحيم » هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء .
وحسبكم من هاتين الصفتين أن اللّه سبحانه وتعالى وصف رسوله بهذين
هامش
( 1 ) النهر : الزجر والإغضاب .
( 2 ) والآية الكريمة تعطى الوداد مع اللّه ومع رسوله ومع النفس والود عين القرب .