تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5617

مساهمون:

ص٥٦١٧
وإن نظرنا إلى متع الدنيا نجد أن من اجتهدوا في حياتهم ، يستأجرون من يقوم لهم بالأعمال التي كانوا يقومون بها لأنفسهم ؛ فالثرى الذي كان يطهو طعامه قبل الثراء ، يستأجر طاهيا ؛ ليعد له طعامه ، والفلاح الذي كان يبنى بيته لنفسه ، ثم رزقه اللّه بالرزق الوفير فاستأجر من يبنى له ، وكل الأعمال التي تسعد الإنسان وكان يقوم بها بنفسه ولنفسه ، صار يستأجر من يقوم له بها ، فما بالنا بالآخرة حيث تعيش في رضا اللّه وبأسرار كلمة « كن » . وهكذا نجد الحق سبحانه وتعالى قد جاء في هذه السورة بمشقات التكليف ، والثواب عليها وطمأن المؤمنين بأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يتميز بكل المواصفات الموحية : من أنه بشر ، وأنه حريص عليهم ، وأنه لا يكلفهم إلا بالمشقات التي تنجيهم من المشقات الأبدية ، وأنه رؤوف بهم ورحيم . فإن استمعوا إلى هذه الحيثيات وآمنوا ، فأهلا بهم في معسكر الإيمان ، وإن تولوا ولم يسمعوا لهذه الحيثيات ولم يدخل القرآن قلوبهم ، فإياك أن تظن - يا رسول اللّه - أنك منصور بهم ؛ لأنك منصور بالله ، فإن تولوا عنك « 1 » وأعرضوا عن الإيمان بالله ، وأعرضوا عن الاستماع لك ، فاعلم أن ركنك الشديد « 2 » هو اللّه ، لذلك يختم الحق السورة بقوله :
هامش
( 1 ) تولوا : أعرضوا ورفضوا الهدى . والتولي : من أسماء الأضداد أي : أنها تحمل المعنى وضده . قال تعالى :وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ . . .( 38 ) [ محمد ] أي : إن تعرضوا عن الإسلام . ويقول سبحانه :وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . .( 51 ) [ المائدة ] أي : من يتبعهم وينصرهم . ( 2 ) الركن الشديد : القوى الذي لا يغلب من التجأ وركن إليه . ومنه قوله عز وجل عن لوط عليه السّلامقالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ( 80 ) [ هود ] وعنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحمة اللّه على لوط لقد كان يأوى إلى ركن شديد ، فما بعث اللّه بعده من نبي إلا في ثروة من قومه » أخرجه أحمد في مسنده ( 2 / 332 ) والترمذي في سننه ( 3116 ) من حديث أبي هريرة .
تفسير الشعراوى — صفحة 5617 | محمد متولي الشعراوي