الوصفين « 1 »
رَؤُفٌ رَحِيمٌ
وقد ثبت أنه سبحانه قد وصف نفسه بقوله سبحانه :
إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 7 ) [ النحل ]
إذن : فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يسلك بما عنده ، بل يسلك برأفة مستمدة من رأفة العلى الأعلى ، وكذلك رحمته صلّى اللّه عليه وسلّم مستمدة من رحمة العلى الأعلى .
وكأن الحق سبحانه يبيّن لنا أنه أعطى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بعضا من الصفات التي عنده ، فكما يبلغكم المشقات في التكاليف ، فهو يبلغكم السلامة من المشقات في الرأفة ، وترقية المنعمات بالرحمة ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . .
( 82 ) [ الإسراء ]
ونعلم أن الشفاء إنما يكون من المرض ، أي : أن القرآن يسلب المضرة أولا ، ثم يأتي لنا بالمنفعة بعد ذلك وهي الرحمة .
وقوله الحق :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
هذا القول خلاصته : إن استقبلتم مشقات التكليف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فاعلموا ممن جاءت هذه المشقات ، واعلموا أن مجيئه بها إنما هو ليرفع عنكم مشقات أكبر وأخلد ؛ لأن مشقات التكليف تنتهى بانتهاء زمن التكليف وهو الدنيا ، ثم يذهب المؤمن إلى الجنة ليحيا بلا تكليف ، وما يخطر على باله من أشياء ، يجده فورا ؛ بدءا من الطعام والشراب وجميع ما خلقه اللّه لأهل الجنة من نعيم « 2 » .
هامش
( 1 ) وقد أورد القرطبي في هذا قول الحسن بن الفضل : لم يجمع اللّه لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه قال :بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ( 128 ) [ التوبة ] ، وقال :إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ( 65 ) [ الحج ] . انظر [ تفسير القرطبي 4 / 3228 ] .
( 2 ) عن عبد اللّه بن مسعود قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا » أخرجه البزار ( 3532 - كشف الأستار ) فيه حميد بن عطاء الأعرج قاله الهيثمي في المجمع ( 10 / 414 ) .