تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5609

مساهمون:

ص٥٦٠٩
وليس من العجم . هو من قبيلتكم التي نشأ بينكم فيها . هو من تعرفون سلوكه قبل أن يبلغ عن اللّه ، فما كذب على البشر في حق البشر . أفيكذب على البشر بحق اللّه ؟ وقرأ عبد اللّه بن قسيط المكي هذه الآية :
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أي : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمقياس البشرى هو من أقدركم وأحسنكم « 1 » . ولذلك حينما جاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالدعوة عن اللّه ، هل انتظرت سيدتنا خديجة رضى اللّه عنها أن يأتي لها بمعجزة ؟ هل انتظر أبو بكر أن يأتي له بمعجزة ؟ لا ، لم ينتظر أحدهما لأن كلّا منهما أخذ المعجزة من ناحية تاريخه الماضي . وحينما قال لخديجة : « يأتيني ويأتيني ويأتيني » وكانت ناضجة التكوين والفكر والعقل ، وعلمنا مما قالت لماذا اختار اللّه له أن يتزوجها وعمره خمسة وعشرون عاما ، وعمرها أربعون سنة ، مع أن المألوف أن يحب الإنسان الزواج ممن هي دونه في العمر . لكن المسألة لم تكن زواجا بالمعنى المعروف ، لكنه زواج لمهمة أسمى مما نعرف ، ففي فترة هذا الزواج ستكون الفترة الانتقالية بين البشرية العادية إلى البشرية التي تتلقى من السماء ، وهذه فترة تحتاج إلى قلب أم ، ووعاء أم تحتضنه وتربّت عليه . فلو كانت فتاة صغيرة وقال لها مثلما قال صلّى اللّه عليه وسلّم لخديجة لشكت في قواه العقلية ، لكن خديجة العاقلة استعرضت القضية استعراضا عقليّا بحتا . فحين قال لها : أنا أخاف أن يكون الذي يأتيني رئى « 2 » من الجن . قالت
هامش
( 1 ) لذلك اختصه اللّه بصفات حسية ومعنوية تحيله من أنفس خلق اللّه على اللّه ، يقول الحق :يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً( 46 ) [ الأحزاب ] . ( 2 ) رئى من الجن : تابع قد ألفه الإنسان من كثرة رؤيته له . وقد تكون من الرأي أي أنه صاحب رأيه . وانظر اللسان ( مادة : رأى ) .