فلو أن النصرة جاءت من السادة لقالوا : جاءت نصرة الإسلام من قوم ألفوا السيادة ، ولما ظهر واحد منهم يقول : إنه رسول ؛ أرادوا أن يسودوا به ، لا الجزيرة العربية ، بل الدنيا كلها ، فتكون العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد ، واللّه يريد أن تكون النصرة من الضعيف ؛ حتى يفهم الجميع أن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو السبب في العصبية لمحمد .
هكذا نفهم معنى :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ
أي : مرسل من اللّه و
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
بكل ما تعنيه مراحل النفس ، وهو مبلغ عن اللّه ، فلم يأت بشئ من عنده ، بل كل البلاغ الذي جاء به من ربه ، والرب بإقراركم هو الذي خلق لكم ما تنتفعون به من السماوات والأرض .
وسبحانه يقول :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . . .
( 87 ) [ الزخرف ]
ويقول :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . .
( 25 ) [ لقمان ]
إذن : فالمخلوق هو الخليفة الإنسان ، وما خلقه اللّه في الكون ، إنما خلقه لخدمتكم كلكم ، وأنتم تقرون ذلك ، فإذا كان الرب قد سبق لكم بهذه النعم ، وجاء الرسول الذي جاء لكم من عنده بما يسعدكم ، وقد استقبلتم خيره قبل أن يأتي لكم بالتكاليف ، واستقبلتم نعمته قبل أن تكونوا مخاطبين له ، إذن : فالله الذي أرسل رسوله بالتكاليف والمنهج لكم ، لا بد أن يكون قد كلف من هو مؤتمن عليكم ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأت من جنس الملائكة ، بل هو بشر مثلكم ، فإذا قال لكم : افعلوا كذا وكذا وأنا أسوة لكم في الفعل ، فلا تتعجبوا ، لكن غباء الكافرين بالله جعلهم يريدون أن يكون الرسول ملكا ، فقال الحق :