أرض قريش ؛ لذلك كانت كل القبائل ترعى قوافل قريش ، ولا تتعرض أي قبيلة لقريش أبدا ، فقوافلها تروح وتغدو ، جنوبا وشمالا ، ولا تقدر قبيلة أن تقف في مواجهة قريش ، أو أن تتعرض لها .
وكل هذه المكانة وتلك المهابة أخذتها قريش من خدمتها لبيت اللّه الحرام ؛ ولذلك شاء الحق ألا يمكن أبرهة من هدم البيت لتظل السيادة لقريش ، فلو انهدم البيت الحرام وانصرف الحج إلى اليمن كما كان يريد أبرهة ، فمن أين تأتى السيادة لقريش ؟ لذلك قال الحق عن أبرهة وقومه :
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
« 1 » ( 5 ) [ الفيل ]
وأتبعها بقوله :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
( 2 ) [ قريش ]
وما دام الحق سبحانه قد شاء هذا فيأتي أمره في الآية التالية :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
( 4 ) [ قريش ]
وشاء الحق سبحانه أن يبعث بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا يدعو أولا الصناديد ، والقبيلة ذات المهابة والمكانة ، وأن تكون الصيحة الإيمانية في آذان سادة الجزيرة الذين تهابهم كل القبائل ، حتى لا يقال : إن محمدا قد استضعف قلة من الناس وأعلن دعوته بينهم ، لا ، بل جاءت دعوته في آذان الصناديد ، والسادة ، وسفه أحلامهم ، وحين رفضوا دعوته هاجر ، ثم جاءه الإذن بقتالهم ، ولم تأت نصرة الإسلام من السادة ، بل آمن به الضعاف أولا ، ثم هاجر إلى المدينة ؛ لتأتي منها النصرة .
هامش
( 1 ) كعصف مأكول : له معنيان : أحدهما : أنه جعل أصحاب الفيل كورق أخذ ما فيه من الحبّ وبقي هو لا حبّ فيه . والآخر : أنه أراد أنه جعلهم كورق النبات الذي أكلته البهائم ثم راثته . وكلاهما في لسان العرب ( مادة : ع ص ف ) .