تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5604

مساهمون:

ص٥٦٠٤
إذن : فلا تأخذ الأحوال بوارداتها عليك ، ولكن خذها بوارداتها ممن قدرها وقضاها ؛ وهو الحق سبحانه وتعالى . وهنا يقول الحق سبحانه :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أي : أن الحق سبحانه لم يأت بإنسان غريب عنكم ، بل جاء بواحد منكم قادر على التفاهم معكم . ولقوله الحق :
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
معان متعددة ، فمرة يكون معناها ب « من جنسكم » ، مثلما قال الحق عن حواء :
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها . . .
( 1 ) [ النساء ] أي : خلق حواء من نفس جنس آدم البشرى ، فلا يقولن أحد : كيف بعث اللّه لنا بشرا رسولا ؟ لأن الحق أراد الرسول من البشر رحمة بالناس ؛ ولذلك يؤكد صلّى اللّه عليه وسلّم على بشريته أكثر من مرة وفي مواقع كثيرة « 1 » . والقرآن يقول :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
( 94 ) [ الإسراء ] إذن : فبشرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تؤخذ على اللّه ، ولكن تؤخذ للّه ؛ لأنه أرسل واحدا من نفس الجنس ؛ ليكون قادرا على أن يتفاهم مع البشر ، وتكون الأسوة به سهلة . ولذلك قال سبحانه :
هامش
( 1 ) يقول عز وجل :قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . . .( 6 ) [ فصلت ] . وقد أكد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا المعنى كثيرا جدا ، منها : - فعن أم سلمة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : إنما أنا بشر ، وإنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها » أخرجه البخاري في صحيحه ( 2458 ) ومسلم ( 1713 ) . - وعن جابر بن عبد اللّه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنما أنا بشر ، وإني اشترطت على ربي عز وجل ، أىّ عبد من المسلمين سببته أو شتمته ، أن يكون ذلك له زكاة وأجرا » أخرجه مسلم في صحيحه ( 2602 ) وأحمد في مسنده ( 3 / 391 ، 400 ) .
تفسير الشعراوى — صفحة 5604 | محمد متولي الشعراوي