تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5603

مساهمون:

ص٥٦٠٣
يؤهله للرسالة « 1 » ، وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعا ذاتيّا لأداء الرسالة ، ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة ؛ لذلك أراد الحق سبحانه أن يثبت للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم المجىء ذاتيّا ، ولكن هذا المجىء الذاتي ليس من عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في البداية ، بل هو رسول من عند اللّه ، فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة « جاء » . وكلمة
رَسُولٌ
تدل على أنه ليس من عنده ، وكلمة « جاء » تدل على أن الشحنة الإيمانية جعلت لذاته عملا ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم يعشق الجهاد من أجل الرسالة ، ويعشق الكفاح من أجل تحقيق هذه الرسالة . إذن : لا تنظروا إلى ما جاءكم به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم نظرتكم إلى الأمور الشاقة التي تتعبكم ، ولكن انظروا ممن جاءت ، إن كانت من الأصل الأصيل في إرسال الرسل ، فالرب رحيم ، خلقكم من عدم وأمدكم من عدم ، ويوالى نعمه عليكم حتى وأنتم في معصيته . فأنت تعصاه ويحب اللّه سبحانه من يستر عليك « 2 » ، فلا تشكك ولا تتشكك . وعليك أن تأخذ التكاليف على أنها من حبيب فلا تقل : إنها مشقة . فأنت - وللّه المثل الأعلى - تطلب من ابنك أن يستذكر دروسه ، وتراجعها معه قهرا عنه في بعض الأحيان ، وأنت قد تمسك بيدي ابنك ليعطيه الطبيب حقنة من الدواء الذي جعله اللّه سببا للشفاء .
هامش
( 1 ) لأن فطرته هي الخلق العظيم وتأدب بأدب ربه وعاش منفعلا بالإيمان سموا ، وبالفعل تفكيرا في اللّه ، وبالنفس سكينة إليه وبالجسد حركة له ، وبالقلب توحيدا وحبا ، فكان المجىء ذاتيا بمعية اللّه . يقول الحق :وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( 4 ) [ القلم ] . ( 2 ) وهذا حق من حقوق المسلم على أخيه المسلم ، وهو أمر يحبه اللّه من عبده . عن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرّج اللّه عنه كربة من كربات القيامة ، ومن ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة » متفق عليه . أخرجه البخاري ( 2442 ) ومسلم ( 2580 ) . ويجب أن نفهم هنا أن الستر المقصود هنا ليس السكوت عن فجور من هو مقيم على معصية ، بل هو ستر معصية وقعت من إنسان وانقضت .
تفسير الشعراوى — صفحة 5603 | محمد متولي الشعراوي