أي : أن ما هو خارج هذه القلوب لا يدخل إليها ، وما في داخلها لا يخرج منها .
إذن : ما دام الحق قد ختم على قلوبهم ؛ فلن تنفتح هذه القلوب للإيمان ، وستظل محتفظة بالكفر . فإذا كان من هؤلاء الكافرين أو المنافقين من يسمع القرآن ، ولا يأسره بيانه ؛ فذلك بسبب عجزهم عن النظر إلى ما فيه من معان وقيم « 1 » ؛ لأن الإنسان حينما يسمع القرآن ، وتكون نفسه صافية ليس فيها ما يشوش على ما في القرآن من جاذبية وبيان يؤثر فيه وتطمئن إليه نفسه .
ولذلك حين قرأ عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - القرآن ، وكان من قبل ذلك شديدا على الإسلام ، ثم ذهب إلى أخته ؛ ليتحقق من أمر إسلامها ، وحين سال منها الدم رقت عاطفته لها ، ثم قرأ القرآن فاستقر في قلبه « 2 » .
إذن : لا بد أن تخرج ما في ذهنك أولا ؛ لتستقبل القرآن . فإذا ما أنزلت سورة يستقبلها المؤمن بصفاء « 3 » . أما الكافرون والمنافقون ، فمنهم
هامش
( 1 ) ومما يرويه ابن إسحاق من هذا في السيرة النبوية أن بعض كفار قريش خرجوا ليلة ليستمعوا خفية إلى القرآن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلى في بيته ، وباتوا يستمعون له ، وكل منهم لا يعلم بالآخرين ، حتى إذا طلع الفجر انصرفوا فجمعهم الطريق فتلاوموا ثم تعاهدوا على عدم تكرار ذلك ، إلا أنهم عادوا للاستماع للقرآن عدة مرات . وسأل أحدهم ( الأخنس بن شريق ) أبا سفيان : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها . ووجّه الأخنس نفس السؤال لأبى جهل فرد عليه : ماذا سمعت ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه ، واللّه لا نؤمن به أبدا . [ انظر سيرة ابن هشام 1 / 315 - 316 ] .
( 2 ) قصة إسلام عمر بن الخطاب أوردها ابن هشام في السيرة النبوية ( 1 / 343 ، 346 ) نقلا عن ابن إسحاق .
( 3 ) وفي هذا يقول سبحانه :اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ . . .( 23 ) [ الزمر ] .