وهنا يقول الحق :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
والسورة هي الطائفة من القرآن المسورة بسور خاص ؛ أوله مثلا :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
وآخره تأتى بعده سورة أخرى تبدأ بقوله الحق :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
ومأخوذة من السور الذي يحدد المكان « 1 » . وهل المقصود بقوله الحق هنا نزول سورة كاملة من القرآن أم نزول بعض من القرآن ؟ إن المقصود هو نزول بعض من القرآن .
وتتابع الآية :
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
والمقصود بهذا المنافقون الذين رجعوا عن الإيمان . ونحن نعلم أن القرآن حق وأنه من عند اللّه ، وله أسر وفاعلية إشراقية في صفاء النفس ، وقد سمعه الكفار من قبل ، وشهدوا له « 2 » ، أما المؤمنون فحين سمعوه فقد أسرهم .
وهذا الأمر بسبب الاستعداد لتلقيه ؛ لأن المسألة في كل الأحداث ليست من الفاعل وحده ، ولكن من الفاعل والقابل للفعل - وللّه المثل الأعلى - أنت تأتى بمطرقة مثلا ، وتطرق قطعة حديد فترق وتزيد مساحتها ، أما إن طرقت بالمطرقة قطعة صلب أقوى من المطرقة ؛ فلن تؤثر فيها .
إذن : فالطرق شئ وقابلية الطرق شئ آخر ، وهكذا لا بد للفاعل من قابل ، والمطلوب من القابل للشئ أن يستقبله بغير خصومة له نابعة من قلبه . فإذا أراد أحد أن يسمع القرآن فعليه أن يخرج ما في قلبه مما هو ضد
هامش
( 1 ) فالسورة في التعريف الاصطلاحي هي قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة ، وأقلها ثلاث آيات ، وكل سورة معجزة وآية من آيات اللّه تعالى ، ومنها سور طوال ومنها قصار ، ومع هذا فسورة مثل سورة الكوثر وهي ثلاث آيات لها نفس إعجاز سورة البقرة . انظر تفصيل هذا في البرهان في علوم القرآن للزركشى ( 1 / 263 - 265 ) .
( 2 ) من هؤلاء الوليد بن المغيرة الذي حاول معه الكفار أن يصف القرآن بأنه كهانة أو تخليط مجنون ، أو أنه شعر ، أو أنه قول ساحر . فقال : واللّه إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل . سيرة النبي لابن هشام ( 1 / 270 ) .