لم يطبع المؤمن على الغلظة ، ولم يطبعه على الشدة ، ولم يطبعه على العزة ، بل قال :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . . .
( 29 ) [ الفتح ]
وقال :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ . . .
( 54 ) [ المائدة ]
وينهى الحق الآية :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ .
إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار بعددك وعدّتك ، ولكن العدد والعدة أمران مطلوبان ؛ لتدخل المعركة ، وعندك شئ من الاطمئنان . ومثال هذا من يسلك مفاوز « 1 » أو صحارى مقفرة « 2 » أو طريقا موحشا ، ويحتمل أن يصادف قطّاع طريق ، نجده يستعد بحمل سلاح ؛ فهو يعطيه شيئا من الاطمئنان فقط ، وهكذا الحال مع العدد والعدة .
أما النصر فهو من المدد الرّبّانى من الحق سبحانه وتعالى . وما دام اللّه مع المتقين ، وللّه معيّة مع المتقين فلا بد أن يمدهم بمدده ؛ لذلك جاء الحق هنا بقوله :
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
لننتبه إلى أن الداخل في الحق هو من سيسلك سلوكا غليظا مع الأعداء ، وقد يسلك بالغلظة طمعا في المغنم ، فيدخل على الكافر بالقسوة ، وقد يكون قلب هذا الكافر مستعدا للإيمان ، فيقول : أسلمت واستسلمت ، لكن من دخل عليه تعجبه مطية « 3 » هذا الكافر ، ويعتبرها مغنما .
هامش
( 1 ) المفاوز : جمع مفازة ، وهي الصحراء المهلكة ، وسميت هكذا ؛ لأن من دخلها وخرج منها وقطعها فاز . قال ابن شميل : المفازة التي لا ماء فيها .
( 2 ) مقفرة : خالية من الكلأ والناس .
( 3 ) المطية : البعير أو الناقة يمتطى ظهرها أي : تركب . والجمع مطايا .