تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5584

مساهمون:

ص٥٥٨٤
الطعام ، وأما الهواء فأنت لا تصبر على افتقاده للحظات ؛ ولذلك لم يملّك اللّه الهواء لأحد أبدا ، وكأنه سبحانه علم أن عباده غير مأمونين على بعضهم البعض ، ولذلك سمّى استنشاق الهواء وزفيره بالتنفس ، وهو من النفس ، وهو سبب وجود النفس وهي مزيج من المادة والروح ، والأساس هو نفس الهواء الذي يضمن استمرار النفس في الحياة . وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشئ النفيس ، وهو إعلاء منهج اللّه . وحين تصابر أهل الباطل ، فكل واحد من أهل الباطل قد يصابر لجاجة « 1 » لمدة قصيرة ثم يتراجع ؛ لأن الباطل زهوق ، وهنا يقول سبحانه :
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
أي : غلظة تحمل بها على العدو ، وغلظة تتحمّل من العدو ، وأن تصبر ، وتصابر ، وترابط . وكيف يطلب اللّه منا أن تكون لنا غلظة عليهم مع أنه قال لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . .
( 159 ) [ آل عمران ] فإن هذا ينفى الغلظة ، وأقول : لنفرق بين أمرين ، أمر الغلظة في أن تكون الحجة قوية ، وأمر الغلظة التي يتطلبها القتال ، أما المعايشة والمآكلة والملاطفة ، فهذه تحتاج إلى لين ورقّة . وقوله الحق :
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة ، بل تعنى أنك إن تطلّب الأمر فيجب أن تتوافر فيك ، وكذلك قلنا : إن اللّه
هامش
( 1 ) أصل الرباط من مرابط الخيل التي تربط بها في مواجهة الأعداء في الثغور والحدود مع العدو ، ففيه معنى التربص به والحذر من غدره . ومما ورد في فضل الرباط في سبيل اللّه : « رباط يوم في سبيل اللّه خير من الدنيا وما عليها ، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها ، والروحة يروحها العبد في سبيل اللّه أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها » أخرجه البخاري في صحيحه ( 2892 ) وأحمد في مسنده ( 5 / 339 ) والترمذي في سننه ( 1664 ) عن سهل بن سعد الساعدي ويستعمل الربط في المعاني كقوله تعالى :وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ( 14 ) [ الكهف ] أي ثبتنا قلوبهم وعزائمهم على الإيمان . وهم فتية أهل الكهف .