تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5581

مساهمون:

ص٥٥٨١
الملكات الإيمانية متساندة غير متعاندة ، ومن بعد ذلك يتجهون إلى الكفار .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ
وهذا يعنى أن هناك قوما قريبين منهم ما زالوا كافرين ، وهناك قوم أبعد منهم ، والحق قد قال :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً . . .
( 36 ) [ التوبة ] إذن : فهناك أولويات في القتال ، وقتال الكفار القريبين منك فيه تأمين لمعسكر الإيمان ؛ لذلك جاء الأمر بقتال الأقرب ؛ لأنه قتال لن يتطلب رواحل ولا مؤونة للسفر البعيد ، كما أن العدو القريب منك أنت أعلم بحاله أكثر من علمك بحال الكفار البعيدين عنك ؛ لذلك فأنت تعلم مواطن قوتهم وضعفهم ، وكيفية تحصيناتهم . فإذا تيسر أمر قتال العدو الأقرب كان ذلك طريقا لمجابهة العدو الأبعد ، بدلا من أن تواجه العدو البعيد ؛ فيتفق مع العدو القريب ، ويصنع الاثنان حولك « كماشة » بلغة الحرب ، فلا بد أن تحمى ظهرك أولا ، من شر العدو الأقرب . إذن : فلا تعارض بين محاربة العدو البعيد والعدو القريب . ولا تعارض بين قوله الحق :
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وقوله سبحانه :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ؛
لأن معنى
كَافَّةً
أي : جميعا ، ولكن الجماعة لها أولوية . فخذ القريب منك ؛ لتضمه إليك ، ومتى ضممته إليك نقصت أرضا من عدوك ، وأصبح زائدا فيك ، فإذا كان الخصم معه سيف ومعك سيف ، وبعد ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده ؛ فأخذته ؛ فبذلك يصبح معك سيفان وهو لا سيف معه . ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار : اعتبروا أيها الكفار ، فأنتم لا ترون الأرض كل يوم وهي تنقص من تحت أقدامكم « 1 » ، وما ينقص من
هامش
( 1 ) قال عز وجل :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها . . .( 41 ) [ الرعد ] . قال ابن عباس في تفسيرها ، أولم يروا أنا نفتح لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم الأرض بعد الأرض . وهو الأولى في تفسير هذه الآية ، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية . ذكره ابن كثير في تفسيره ( 2 / 520 ) .