الفلاني . فإن فهمت في الهندسة فهذا فقه ، وإن فهمت في العلوم فهذا فقه ، ولكن المعنى الذي غلب هو الفقه لأحكام اللّه ؛ لأن هذا الأمر هو أهم أمور الحياة ، فالفقيه في الدين هو من يبيّن للناس حدود المنهج ب « افعل » و « لا تفعل » .
إذن : الفقه مطلقا هو الفهم ، لكنه أصبح مصطلحا يعنى فهم أحكام اللّه ؛ لأنه هو الذي يحدد الصواب والخطأ . ولا يقال : « الفقيه » إلا لمن فقه . وهناك فرق بين فقه وفقه . فقه في دين اللّه ، أي : أصبح الفقه عنده ملكة ، وساعة تسأله في أي موضوع لا يتردد ، بل يجيب ؛ لأن الفقه صار ملكة عنده ، والملكة : الصفة التي ترسخ في النفس من مزاولة أي عمل ؛ فيسهل أداء هذا العمل . وكذلك الفقه . وهكذا نعرف أن معنى فقه : « فهم شيئا » . أما فقه فمعناها : صار الفقه عنده ملكة .
وقوله الحق :
لِيَتَفَقَّهُوا
أي : ليعلموا أحكام اللّه ، ويصير هذا العلم :
من بعد ذلك ملكة عندهم .
ولكن ماذا إن نفروا لشئ آخر مثلما ينفر واحد من البدو ليسأل جماعته : إلى أين تذهبون ؟ فيجيبون : نذهب إلى رسول اللّه لنسمع منه ، فيذهب معهم . لكنه لا يسمع بل يذهب هنا أو هناك ، ولا يجلس لتفقّه العلم ، على الرغم من أن علّة نفوره مع غيره هي التفقّه في الدين ؛ وليعلم حقائق هذا الدين ؛ لينذر به قومه حين يعود إليهم ، فالفقيه لا يطلب جاها ، أو رئاسة ، أو وظيفة ، بل هو يبين للناس متطلبات الحركة على هذا المنهج الحق ، ولينذرهم
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
أي : يتجنّبون ما يضرّهم .
وحين ندقق في هذا الأمر نجده عدة مراحل :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
هذه هي المرحلة الأولى ، ثم
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
هذه هي المرحلة