تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5194

مساهمون:

ص٥١٩٤
وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين الحلال والحرام نضرب هذا المثل : أنت إن أعجبك شئ في بيت جارك ، وطلبته منه وأعطاك إياه ، فأنت لا تخشى أن يعرف الناس ما حدث . ولكن إذا أعجبك شئ في بيت جارك وأردت أن تسرقه ، فأنت لا تأتى في النهار ولا أمام الناس ، بل تأتى ليلا وتحرص على ألا يراك أحد . ولا تدخل من باب الشقة ، بل تظل تدور وتخطط لتجد منفذا تدخل منه دون أن يراك أحد . وتضع خطة للسرقة . وتدخل المنزل على أطراف أصابعك وأنت ترتعد . فإذا شعرت وأنت تنفذ الخطة بصوت أقدام تنزعج وتجرى لتختبىء وتأخذ الشئ وتكون حريصا على إخفائه وإن رآه أحد عندك انزعجت ، وكل هذا عذاب يمر به كل من يجمع المال الحرام ، إذن فجمع المال الحرام عذاب . وكل من يربى أولاده من مال حرام لا يبارك اللّه له فيهم ، فإما أن ينشأ الواحد منهم عذابا لأبيه في تربيته فيرسب في الامتحانات . ويتلف المال في الإنفاق بلا وعى . فكلما أعطيته أكثر احتاج إلى المزيد من المال أكثر . ومثل هذا الابن لا يطيع أباه ، ويكون العذاب الأكبر حينما ينشأ أحد أبناء هذا الإنسان ويكون الابن مؤمنا إيمانا صادقا باللّه ، فيرفض أن يأكل أو يلبس من مال أبيه ، أو أن يناقشه من أين جاء بهذا المال ويسمع منه ما يكره ، ويتمرد دائما عليه . وفي عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أبو عامر عدوا للّه ورسوله . وكان ابنه حنظلة « 1 » مؤمنا ، وكلما رأى أبو عامر ابنه كان قلبه يغلى بالغيظ ، وعندما نودي للقتال ، وسمع حنظلة نداء الجهاد بعد أن فرغ من الاستمتاع مع زوجته « 2 » فلم يصبر إلى أن يغتسل من الجنابة ، بل سارع إلى الحرب
هامش
( 1 ) هو : حنظلة بن الراهب عبد عمرو بن صيفي الأوسي وكنية أبيه أبو عامر ، وحنظلة من أهل الصّفّة . ( 2 ) جاء في مستدرك الحاكم ( 3 / 204 ) أن هذه كانت أول ليلة له مع زوجته ، وترك جنينا في أحشائها ولد عام 4 ه هو عبد اللّه ، أصبح من أعلام التابعين وشجعانهم ، ولاه أهل المدينة أمرهم فقاتل جيش يزيد ابن معاوية قتالا شديدا حتى قتل عام 63 ه . انظر الأعلام للزركلي ( 4 / 99 ) .