ويتساءلون « 1 » : هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف اللّه له بعض خبايانا ؟
وكانوا في خوف أن يفتضح أمرهم ، فيعاملهم معاملة المشركين ويشردهم .
وثانيا : كانوا يخافون من أن يدخل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حرب ؛ لأنهم ما داموا قد أعلنوا الإيمان فهم مطالبون ببذل المال ، وأن يذهب أولادهم الذين بلغوا سن القتال مع جيش المسلمين ، وكانوا يقولون بينهم وبين أنفسهم : ما لنا نبذل المال ونضحى بالأولاد في سبيل ما لا نؤمن به . وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يلبّون نداء رسول اللّه طمعا في الجنة أو النصر . وهذا لون من ألوان العذاب .
وهناك لون آخر من العذاب : عندما يخرج هؤلاء المنافقون إلى إحدى الغزوات ، فهم يخافون على أنفسهم من القتل أو الأذى بالأسر أو سبى النساء ، فيكونون في عذاب نفسي طوال الرحلة إلى الغزوة وفي أثناء الحرب .
ولون ثالث من ألوان العذاب : أن عابد المال يجمع المال من حرام ومن حلال ، لا يهمه من أين جاء المال ؟ ولكن يهمه أن يأتي ، والذي يكسب حلالا يكون واضح الحركة في الحياة ، والذي يكسب حراما هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس ، ويعيش في عذاب أليم دائم من أن يأتي يوم يكشف اللّه ستره فيعرف الناس أنه ارتشى ، أو أنه اختلس ، أو أنه زوّر وزيّف . أو أنه فعل شيئا يحقّره في أعين الناس أو يعرّضه للعقوبة ؛ كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في الأعراض . أو في غير ذلك ، وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر .
هامش
( 1 ) قال تعالى :يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ[ التوبة : 64 ] . قال مجاهد : يقولون القول بينهم ثم يقولون : عسى اللّه ألا يفشى علينا سرنا هذا . وقال الحسن : كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة ؛ لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته . انظر ابن كثير في تفسيره ( 2 / 366 ) والقرطبي ( 4 / 3121 ) .