تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5555

مساهمون:

ص٥٥٥٥
وبعد ذلك يتصاعد الأمر في عزل هؤلاء ، حتى تعدى إلى نسائهم ، فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بألا يقربوا نساءهم « 1 » هكذا بلغ العزل « 2 » مبلغا شديدا ودقيقا ، فقد كان التحكم أولا في المجتمع ، ثم في الأقارب ، ثم في خصوصيات السكن وهي المرأة ، حتى إن امرأة هلال بن أمية ذهبت إليه وقالت : يا رسول اللّه إن هلال بن أمية ، رجل مريض ضعيف ، وأنا أستأذنك في أن أصنع له ما يقيمه ، قال لها : « ولكن لا يقربنك » . قالت : واللّه يا رسول اللّه ما به حركة إلى شئ ، وو اللّه ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . وذهب بعض المسلمين إلى كعب بن مالك ليبلغوه أن رسول اللّه صرح لامرأة هلال أن تخدمه ، وقالوا له : اذهب إلى رسول اللّه واستأذنه أن تخدمك امرأتك . قال : إن هلالا رجل شيخ ، فماذا أقول لرسول اللّه وأنا رجل شاب ؟ واللّه لا أذهب له أبدا . وظل الثلاثة في حصار نفسي ومجتمعى لمدة خمسين يوما إلى أن جاء اللّه بالتوبة ، وفي هذا تمحيص « 3 » لهم ، فكعب بن مالك - على سبيل المثال - يقص عن حاله قبل الغزوة قائلا : « لم أكن قط أقوى ولا أيسر منّى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، واللّه ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة » . أي : أنه لم يكن له عذر يمنعه . بعد ذلك يجئ البشير بأن اللّه قد تاب عليه ، فيأتي واحد من جبل سلع
هامش
( 1 ) وفي هذا يقول كعب : « حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأتيني ، فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا ، بل اعتزلها فلا تقربنها » . ( 2 ) وهو ما يسمى بالعزل العام اجتماعيا وأسريا ونفسيا . ( 3 ) تمحيص : ابتلاء واختبار وتخليص من الذنوب . وقد بلغ البلاء مداه بكعب أن ملك غسان بعث له كتابا يقول له فيه : « قد بلغنا أن صاحبك - يقصد محمدا - قد جفاك ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك » . فألقى به كعب بعد قراءته في النار .