فيقول : يا كعب أبشر بخير يوم مرّ عليك . فقد أنزل اللّه فيك قرآنا وأنه تاب عليك .
قال كعب : فلم أجد عندي ما أهديه له لأنه بشّرنى إلا ثوبىّ فخلعتهما وأعطيتهما له ، ثم استعرت ثوبين ذهبت بهما إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقال : يا رسول اللّه ، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي - الذي سبّب لي هذا العقاب - صدقة إلى اللّه وإلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » .
إذن : فتأخر الحكم كان المراد منه تمحيص هؤلاء ، وإعطاء الأسوة لغيرهم . فحين يرون أن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت ، وكذلك ضاقت عليهم أنفسهم يتيقنون من قول الحق :
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ
« 2 »
مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ . . .
( 118 ) [ التوبة ]
أي : أن أحدا لا يجير إلا اللّه ، وسبحانه يجير من نفسه . كيف ؟ أنت تعلم أنك ساعة لا يجيرك إلا من يتعقبك ، فاعلم أنه لا سلطان لأحد أبدا ؛ ولذلك نقول : أنت تلجأ إلى اللّه لا من خلقه ، ولكنك تلجأ « 3 » إلى اللّه ليحميك من اللّه ، فسبحانه له صفات جلال وصفات جمال ، وتتمثل صفات الجلال في أنه : قهار ، وجبار ، ومنتقم ، وشديد البطش ، إلى آخر تلك الصفات . وفي الحق سبحانه صفات جمال مثل غفور ، ورحيم ، وغيرها ، فإذا ما أذنب الإنسان ذنبا ، فالمجال في هذه الحالة أن يعاقب من صفات الجلال ، ولا ينفع العبد وقاية من صفات الجلال إلا صفات الجمال .
هامش
( 1 ) فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمسك بعض مالك فهو خير لك » . فقال كعب : فإني أمسك سهمى الذي بخيبر . والحديث بطوله أخرجه البخاري في صحيحه ( 4418 ) ومسلم ( 2769 ) .
( 2 ) ملجأ : المعقل والملاذ والمجير .
( 3 ) اللجوء يكون إلى صفات الجمال للحماية من صفات الجلال ، وهنا يكون اللجوء إلى اللّه ليحميك من اللّه .