تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5557

مساهمون:

ص٥٥٥٧
وكلنا يعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد دعا اللّه بقوله : « أعوذ بك منك » « 1 » أي : أعوذ بصفات الجمال فيك من صفات جلالك ، فلن يحمينى من صفات جلالك إلا صفات جمالك . ولذلك حينما جاء في الحديث الشريف عن آخر ليلة من رمضان قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فإذا ما كانت آخر ليلة من رمضان تجلّى الجبّار بالمغفرة » . يظن بعض الناس أن هذه المسألة غير منطقية ، فكيف يتجلّى الجبّار بالمغفرة ؟ ألم يكن من المناسب أن يقال : « يتجلّى الغفّار » ؟ ونقول : لا ؛ فإن المغفرة تقتضى ذنبا ، ويصبح المقام لصفة الجبار ، وهكذا تأخذ صفة الرحمة من صفة الجبار سلطتها ، وكأننا نقول : يا جبار أنت الحق وحدك ، لكننا نتشفع بصفات جمالك عند صفات جلالك . هذا هو معنى : « يتجلى الجبار بالمغفرة » . وقد سمع الأصمعي « 2 » - وهو يطوف - مسلما عند باب الملتزم ، يقول : اللهم إني أستحى أن أطلب منك المغفرة ؛ لأنى عصيتك ، ولكني تطلّعت فلم أجد إلها سواك . فقال له : يا هذا ، إن اللّه يغفر لك لحسن مسألتك « 3 » .
هامش
( 1 ) قطعة من حديث أخرجه مسلم ( 486 ) وأحمد في مسنده ( 6 / 58 ، 120 ) من حديث عائشة رضى اللّه عنها قالت : فقدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة من الفراش ، فالتمسته ، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد . وهما منصوبتان وهو يقول : « اللهم أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » . ( 2 ) الأصمعي : هو عبد الملك بن قريب أبو سعيد الأصمعي ، أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ، مولده ووفاته في البصرة عن 95 عاما ، وتوفى عام 216 ه . الأعلام للزركلي ( 4 / 162 ) . ( 3 ) ومما يروى أيضا عن الأصمعي في نفس هذا المعنى أنه سمع أعرابيا يدعو اللّه وهو يقول : هربت إليك بنفسي ، يا ملجأ الهاربين بأثقال الذنوب ، أحملها على ظهري ، لا أجد شافعا إليك إلا معرفتي بأنك أكرم من قصد إليه المضطرون ، وأمّل فيما لديه الراغبون . انظر : الأمالي لأبى على القالى ( 1 / 32 ) .