تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5554

مساهمون:

ص٥٥٥٤
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 118 ) [ التوبة ] ونعلم أن الإنسان إذا شغله همّ يحدّث نفسه بأن يترك المكان الذي يجلس فيه ، ويسبب له الضيق ، لعل الضيق ينفك « 1 » . ولكن هؤلاء الثلاثة قابلوا الضيق في كل مكان ذهبوا إليه حتى ضاقت عليهم الأرض بسعتها ، فلم يجد واحد منهم مكانا يذهب إليه ، وهذا معناه أن الكرب الذي يحيطهم قد عمّ ، والإنسان قد تضيق عليه الأرض بما رحبت ولكن نفسه تسعه . والحق يقول عنهم :
وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ
أي : ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم أيضا ، فقد تخلف الثلاثة عن الغزوة ، لا لعذر إلا مجرد الكسل والتوانى ، وأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين بمقاطعتهم ، فكان كعب بن مالك « 2 » يخرج إلى السوق فلا يكلمه أحد ، ويذهب إلى أقربائه فلا يكلمه أحد ، ويتسوّر « 3 » عليهم الحيطان لعلهم ينظرون إليه ، فلا ينظرون إليه .
هامش
( 1 ) ينفك : يتخلص منه الإنسان . ومنه « فك الرقبة » أي : تخليصها من العبودية والرق . قال ابن الأعرابي : فك فلان أي خلص وأريح من الشئ . [ لسان العرب - مادة : فكك ] . ( 2 ) كان كعب بن مالك يجالد الناس ويخرج للناس يتلمس منهم أن يكلموه ، أما صاحباه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فقد لزما بيتيهما ، أما هو فيقول : « كنت آتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السّلام أم لا ؟ ثم أصلى قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلىّ ، وإذا التفت نحوه أعرض عنى » . ( 3 ) تسوّر : تسلّق الحائط حتى علاه . ومنه قوله تعالى :وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ( 21 ) [ ص ] .
تفسير الشعراوى — صفحة 5554 | محمد متولي الشعراوي