وهذه المسائل التي حدثت كان لها مبررات ، فقد قال الحق :
مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
ويزيغ : يميل ، أي : يترك ميدان المعركة كله ؛ لأنها كانت معركة في ساعة العسرة ، ومعنى العسرة الضيق الشديد ، فالمسافة طويلة ، والجنود الذين سيواجهونهم هم جنود الروم ، والجو حارّ ، وليس عندهم رواحل « 1 » كافية ، فكل عشرة كان معهم بعير واحد ، يركبه واحد منهم ساعة ثم ينزل ليركبه الثاني ، ثم الثالث ، وهكذا ، ولم يجدوا من الطعام إلا التمر الذي توالد فيه الدود .
وقد بلغ من العسرة أن الواحد منهم كان يمسك التمرة فيمصها بفيه يستحلبها قليلا ، ثم يخرجها من فيه ليعطيها إلى غيره ليستحلبها قليلا ، وهكذا إلى أن تصير على النواة ، وكان الشعير قد أصابه السوس ، وبلغ منه السوس أن تعفن ، وقال من شهد المعركة : « حتى إن الواحد منا كان إذا أخذ حفنة من شعير ليأكلها يمسك أنفه حتى لا يتأذى من رائحة الشعير » . كل هذه الصّعاب جعلت من بعض الصحابة من يرغب في العودة . ولا يستكمل الطريق إلى الغزوة .
إذن : فالتوبة كانت عن اقتراب زيغ قلوب فريق منهم . وجاء الحق بتقدير ظرف العسرة ، ولذلك تنبأ بالخواطر التي كانت في نواياهم ومنهم أيضا من همّ ألا يذهب ، ثم حدثته نفسه بأن يذهب مثل أبى خيثمة « 2 » الذي بقي من بعد أن رحل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزوة ومرت عشرة أيام ، ودخل الرجل بستانه فوجد العريشين « 3 » ، وعند كل عريش زوجة له حسناء ، وقد
هامش
( 1 ) رواحل : جمع راحلة ، وهي كل بعير قادر على مشقات السفر ، سواء كان ذكرا أو أنثى .
( 2 ) هو عبد اللّه بن خيثمة الأنصاري السالمى ، شهد أحدا ، وبقي إلى خلافة يزيد بن معاوية . انظر الإصابة ( 7 / 53 ) وانظر ( 4 / 63 ) .
( 3 ) العريش : شئ يشبه الخيمة تكون داخل البستان مظللة بسعف النخيل .