أم قوة ، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع ؛ لأن كل مجتمع به أعراض كثيرة ، تجد القوى والضعيف ، الغنى والفقير ، العالم والجاهل ، الصحيح والمريض . ولو أن كل إنسان تحرك في حياته على قدر حاجته فقط لهلك الضعفاء والمرضى والعاجزون والفقراء . ولكن لا بد أن يعمل كل إنسان على قدر طاقته ، وليس على قدر حاجته ، ولا بد أن يأخذ من ناتج عمله على قدر حاجته ومن يعول ، فأنت تأخذ حاجتك من ثمرة طاقتك ، ثم تفىء على غيرك بفضل اللّه عليك ، خصوصا على هؤلاء الذين لا يقدرون على الحركة في الحياة ، فالصحيح يعطى المريض من قوته ما يعينه على الحياة . والغنى يعطى الفقير من ماله ما يعينه على الحياة .
والقادر على الحركة يعطى من لا يقدر عليها ، هذا هو المجتمع المتكافل .
ومثل هذا السلوك هو لصالح الجميع ؛ لأن الغنى اليوم قد يكون فقيرا غدا ، والقوى اليوم قد يكون ضعيفا غدا ، فلو أحس الإنسان بأنه يعيش في مجتمع متكافل فهو لن يخشى الأحداث والأغيار . وهذا هو التأمين الصحيح للقادر والغنى ويشعر فيه كل إنسان بالتضامن والتكافل ، فلا ينشغل الفقير خوفا من الأحداث المتغيرة ، وإن مات فلن يجوع عياله ، وإن افتقر الغنى فسوف يجد المساندة ، وإن مرض الصحيح فسوف يجد العلاج .
إذن : فالنفقة أمر ضروري لسلامة المجتمع ، ونجد أن السوق توصف بأنها نافقة ، وهي التي يتم فيها بيع كل السلع وشراؤها . فمن أراد أن يبيع باع ، ومن أراد أن يشترى اشترى ، إذن فالحركة فيها متكافئة . وأنت حين تذهب إلى السوق لتبيع أو تشترى ، فإما أن تأخذ مالا نقديا مقابل ما بعت ، وإما أن تدفع مالا ثمنا لما اشتريت . وقديما كان الإنسان يبادل السلعة بسلعة أخرى . وبعد اختراع النقود أصبح الإنسان يشترى السلع بثمن ، ومن ينفق ماله ويقدمه عند اللّه ، فالحق سبحانه يأتي له بكل خير .
تفسير الشعراوى — صفحة 5189
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٥١٨٩