تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5187

مساهمون:

ص٥١٨٧
ونفهم المنع على أنه ردّ الفعل إلى ما ينقض العمل أو ينافيه ؛ كأن يريد إنسان القيام فتقعده ، أي أنك رددت إرادة القيام إلى القعود ، وهو ما ينافيه ، أو أن يحاول إنسان ضرب آخر فتمنع يده ، فتكون بذلك قد منعت غيره من أن يعتدى عليه . إذن فالمنع مرة يأتي للفاعل ومرة للمفعول . فأنت حين تمنع زيدا من الضرب تكون قد منعت الفاعل ، وحين تمنع عنه الضرب تكون قد منعت المفعول ، وكل فلسفة الحياة قائمة على المنع ، الذي يوجزه الفعل ورد الفعل ، تجد ذلك في الإنسان وفي الزمان وفي المكان . وإذا بحثت هذه المسألة في الإنسان تجد أن حياته تقوم على التنفس والطعام والشراب ، والتنفس هو الأمر الذي لا يصبر الإنسان على التوقف عنه ، فإن لم تأخذ الشهيق انتهت حياتك ، وإن كتمت الزفير انتهت حياتك . وإذا منعت الهواء من الدخول إلى الرئتين يموت الإنسان ، وإذا منعت خروج الهواء من الرئتين يموت الإنسان أيضا . وحركة العالم كله مبنية على الفعل وما يناقضه . فإذا حاول إنسان أن يضرب شخصا آخر وأمسكت يده ، وقلت له : سيأتي أبناؤه أو إخوته أو عائلته ويضربونك ، حينئذ يمتنع عن الفعل خوفا من رد الفعل . والعالم كله لا يمكن أن يعيش في سلام إلا إذا كان هناك خوف من رد الفعل « 1 » ؛ القوى يواجه قويا ، والكل خائف من ردّ فعل اعتدائه على الآخر . ولكن إذا واجه قوى ضعيفا ، تجد القوى يفتك بالضعيف . وهكذا العالم كله ، فالكون إما ساكن وإما متحرك . وتجد الكون المتحرك فيه قوى متوازية تعيش في سلام خوفا من رد الفعل . وكذلك تجد العالم الساكن ؛ فالعمارة الشاهقة تستمد ثباتها وسكونها من أن الهواء
هامش
( 1 ) وفي هذا يقول رب العزة سبحانه :وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ[ الأنفال : 60 ] .