إن قوله الحق سبحانه يعنى أن هذا المسجد يجب ألا يكون له وجود ، ثم تجد اللّه سبحانه يقول :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
إذن : فالمسألة ليست في بناء المسجد ، ولكنها فيمن يدخل المسجد ويعمره ، فهنا مسجد ، وهناك مسجد ، أما المسجد الأول « 1 » فقد أسس على التقوى ، وفيه أناس يحبون أن يتطهروا ، أما مسجد الضرار فقد أقامه منافقون يحبون أن يتقذروا ؛ لأنهم المقابل لمن يحبون أن يتطهروا .
ومعنى الحب هو ميل الطبع إلى شئ تنبسط له النفس وتخفّ لعمله .
وحينما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معشر الأنصار ، إن اللّه قد أثنى عليكم في الطهور ، فما طهوركم هذا ؟ قالوا : يا رسول اللّه نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فهل مع ذلك من غيره ؟ »
وهنا قال أهل قباء : « لا ، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجى بالماء » « 2 » ، وكان الواحد منهم يمسك الحجر ويمسح به محل قضاء الحاجة ؛ فيخفف من استخدام المياه ؛ لأن المياه كانت قليلة عندهم ، ثم يستخدم الماء بعد الأحجار « 3 » ليكمل ويتم نظافته ، وأضافوا : « ولا نبيت على جنابة ، ولا نصرّ على ذنب ، فإن غلبنا الذنب تعجّلنا التوبة » .
يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
والحب هنا متبادل ، فلا شئ أقسى على النفس من أن يكون الحب من طرف واحد ، وهذا هو الشقاء بعينه . والشاعر يقول :
هامش
( 1 ) هو مسجد قباء ، وهو أول مسجد بنى في الإسلام ، بنى قبل مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ( 355 ) والدار قطني في سننه ( 1 / 62 ) والحاكم في مستدركه ( 1 / 155 ) ( 2 / 334 ) وصححه . قال الزيلعي : سنده حسن لكن فيه عتبة بن أبي حكيم ليس بقوى .
( 3 ) هي ثلاثة أحجار يستنجى بها من الغائط ، فعن عائشة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزىء عنه » أخرجه أحمد ( 6 / 108 ، 133 ) وأبو داود في سننه ( 40 ) والنسائي ( 1 / 41 ، 42 ) والدار قطني في سننه ( 1 / 54 ) . فأهل قباء كانوا يضيفون الماء بعد هذه الأحجار الثلاثة حجرا بعد الآخر ، وذلك لشدة حرصهم على الطهارة .