الحب . والذين أقاموا هذا المسجد أرصدوه مترقبين ومنتظرين إنسانا له سابقة في عداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ، وهو الذي طلب منهم إقامة هذا المسجد وهو « أبو عامر الراهب » وقد سماه رسول اللّه « الفاسق » .
وأبو عامر هذا رجل تنصّر في الجاهلية ، ولم تكن الجاهلية بيئة ديانات ، فمن كان مثلا يسافر إلى مكان ويسمع بدين فهو يأتي به ليدعو لهذا الدين ويترأس من يتبعونه ، وأبو عامر من هؤلاء الذين تنصّروا وصاروا في المدينة ، فلما جاء رسول اللّه ليبطل كل هذه الأشياء في المدينة وزالت رياسته ، عادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى قال له في أحد : ما رأيت قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم . وحين تمكن الإسلام في المدينة فر إلى مكة ، ولما فتحت مكة فرّ إلى الطائف ، فلما آمن أهل الطائف ، لم يجد له وطنا فذهب إلى الروم « بالشام » . ثم كتب للمنافقين أن أعدّوا مسجدا ؛ لأنى سآتى لكم بقوة من ملك الروم ؛ لأهاجم محمدا وأحاربه وأخرجه من المدينة « 2 » .
إذن : فهم قد بنوا ذلك المسجد ضرارا ، وكفرا ، وتفريقا ، وإرصادا ، أي : ترقبا وانتظارا لذلك الراهب الذي سيذهب إلى الشام ويأتي بجنود لمحاربة اللّه ورسوله . ورغم أنهم قد فعلوا ذلك ، فقد امتلكوا جراءة الطلب من رسول اللّه أن يصلى معهم فيه بهدف ترسيم هذا المكان مسجدا ليصلى
هامش
( 1 ) من هذا ما ذكره ابن هشام في السيرة النبوية في غزوة أحد ( 3 / 80 ) : « وقع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون ، وهم لا يعلمون ، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول اللّه ، ورفعه طلحة بن عبيد اللّه حتى استوى قائما » . انظر أيضا تفسير ابن كثير ( 2 / 387 ) .
( 2 ) قصة نفاق هذا الرجل وعدائه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مذكورة في أسباب النزول للواحدي ( ص 149 ) ، وتفسير القرطبي ( 4 / 3183 ) وابن كثير ( 2 / 387 ، 388 ) وسيرة ابن هشام ( 3 / 80 ) . وهو والد صحابي جليل هو حنظلة غسيل الملائكة ، استشهد يوم أحد وهو جنب فغسلته الملائكة .