فيه صفان مكتملان ، ثم يوجد بعده بعدة أمتار مسجد ، وهناك مسجد ثالث بعد عدة أمتار ، ثم مسجد رابع ، فهذه كلها مساجد ضرار « 1 » .
إذن : ف « المسجد » بمعناه الخاص هو المكان الذي يحيز حتى يصير مسجدا ، لا يزاول فيه شئ غير المسجدية ، ولذلك نجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين رأى واحدا ينشد ضالته في المسجد ، قال له : « لا رد اللّه عليك ضالتك » « 2 » . لأن المسجد حين تدخله فأنت تعلن نية الاعتكاف لتكون في حضرة ربك ، وعندك من الوقت خارج المسجد ما يكفيك لتتكلم في مسائل الدنيا .
إذن : فهؤلاء القوم أرادوا أن ينفّسوا عن نفاقهم بمظهر من مظاهر الطاعة ، فقالوا : نقيم مسجدا ، وبذلك نفرق جماعة المسلمين ، فجماعة يصلون هنا ، وجماعة يصلون هناك ، وإن قعدنا نحن نصلى فيه فنكون أحرارا ، ونتكلم مثلما نريد ، أما حين نذهب للصلاة في المسجد الآخر ، فنحن نجلس هناك مكبوتين ، وغير قادرين على الكلام ، ونحن نريد أن ننفس عن أنفسنا .
فهم بنوا المسجد ، ثم طلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلى معهم في المسجد الجديد أثناء خروجه لغزوة تبوك فاعتذر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأوضح
هامش
( 1 ) هذا يتلاقى مع ما قاله القرطبي في تفسيره ( 4 / 3180 ) : « قال علماؤنا : لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد ، ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا ، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفى أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ . وكذلك قالوا : لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ، ويجب منع الثاني ، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه » .
واللغة تقول : ضاره يضاره مضارة وضرارا مفاعلة بين اثنينلا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ[ البقرة : 233 ] وإحداث مسجد كهذا ضار لجمع المسلمين ومدعاة للتفرق .
( 2 ) عن أبي هريرة قال قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح اللّه تجارتك ، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا : لا ردها اللّه عليك » . أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ( ص 73 ) والدارمي ( 1 / 326 ) والترمذي ( 1321 ) وقال : حسن غريب .