شئ . وقد قصّ واحد منهم حكايته « 1 » ، وبيّن لنا أنه لم يكن له عذر :
« وما كنت في يوم من الأيام أقدر على المال والراحلة منى في تلك الغزوة ، كنت أقول : أتجهز غدا ، ويأتي الغد ولا أتجهز ، حتى انفصل الركب ، فقلت ألحق بهم ، ولم ألحق بهم » .
هؤلاء هم الثلاثة الذين جاء فيهم القول :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
و
مُرْجَوْنَ
أو « مرجئون » والإرجاء هو التأخير . أي : أن الحكم فيهم لم يظهر بعد ؛ لأن اللّه يريد أن يبين للناس أمرا ، وخاصّة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينشئ في الدولة الإسلامية سجنا يعزل فيه المجرم ؛ وهذا لحكمة ، فكونك تأخذ المجرم وتعزله عن المجتمع وتحبسه في مكان فهذا جائز . لكن النكال في أن تدعه طليقا ، وتسجن المجتمع عنه .
وهكذا تتجلى عظمة الإيمان ؛ لذلك أصدر صلّى اللّه عليه وسلّم أمرا بأن يقاطعهم الناس ، فلا يكلمهم أحد ، ولا يسأل عنهم أحد ، حتى أقرباؤهم ولا يختلط بهم أحد في السوق أو في المسجد .
وكان أحدهم يتعمد أن يصلى قريبا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويختلس النظرات ليرى هل ينظر النبي له أم لا ؟ ثم يذهب لبيت ابن عمه ليتسلق السور ، ويقول له : أتعلم أنني أحب اللّه ورسوله ؟ فيرد عليه : اللّه ورسوله أعلم . وهكذا عزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المجتمع عنهم ، ولم يعزلهم عن المجتمع . وكذلك
هامش
( 1 ) هو كعب بن مالك ، قال : « لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، واللّه ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة . . وغزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، فأنا إليها أصغى ( أي : أميل ) فتجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد . . . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو . . . » حديث طويل أخرجه مسلم في صحيحه ( 2769 ) .