تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5476

مساهمون:

ص٥٤٧٦
ولم يقل سيدنا إبراهيم : « إنهم أعداء » ، بل جمعهم كلهم في عصبة واحدة وقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي .
و ( إنهم ) - كما نعلم - جماعة ، ثم يقول بعدها ( عدو ) وهو مفرد ، فجمعهم سيدنا إبراهيم وكأنهم شئ واحد . وكان بعض من قوم إبراهيم يعبدون إلها منفردا ، وجماعة أخرى يعبدون الأصنام ويقولون : إنهم شركاء للإله . إذن : كانت ألوان العبادة في قوم إبراهيم عليه السّلام تتمثل في نوعين اثنين . ولما كان هناك من يعبدون اللّه ومعه شركاء ، فقول إبراهيم قد يفسر على أن اللّه داخل في العداوة ؛ لذلك استثنى سيدنا إبراهيم وقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ،
أي : أن اللّه سبحانه ليس عدوّا لإبراهيم عليه السّلام ، وإنما العدواة مقصورة على الأصنام . أما إن كان قومه يعبدون آلهة دون اللّه ، أي : لا يعبدون اللّه ، لم يكن إبراهيم ليستثنى . والاستثناء هنا دليل على أن بعضا من قومه هم الذين قالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . .
( 3 ) [ الزمر ] وهكذا تبرأ سيدنا إبراهيم عليه السّلام من الشركاء فقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
وهذا كلام دقيق محسوب . وأضاف :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
( 78 ) « 1 » [ الشعراء ] ولم يقل : « الذي خلقني يهديني » ، بل ترك « خلقني » بدون « هو » وخصّ اللّه سبحانه وحده بالهداية حين قال :
فَهُوَ يَهْدِينِ ؛
لأن « هو »
هامش
( 1 ) إن الأفعال التي لا تصدر إلا عن اللّه سبحانه وتعالى ، وليس للمخلوق فيها دخل لم يأت بضمير التخصيص ، مثل قوله تعالى :الَّذِي خَلَقَنِي( 78 ) [ الشعراء ] أما إذا كان الفعل يدعى البعض أنه فاعله فإن الأسلوب القرآني يرد عليه بضمير الاختصاص ؛ لأن الهداية من اللّه ، وليس للعبد دخل فيها إلا بالقبول والالتزام .