ولماذا لم يأت بالمسألة كأمر ؟ نقول : إن الحق حين يعرضها معرض الاستفهام فهو واثق من أن المجيب لا يجيب إلا بهذا ، وبدلا من أن يكون الأمر إخبارا من اللّه ، يكون إقرارا من السامع .
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
لماذا جاء الحق بكلمة
هُوَ ،
وكان يستطيع سبحانه أن يقول : « ألم يعلموا أن اللّه يقبل التوبة » ولن يختل الأسلوب ؟
أقول : لقد شاء الحق أن يأتي بضمير الفصل ، مثلما نقول : فلان يستطيع أن يفعل لك كذا . وهذا القول لا يمنع أن غيره يستطيع إنجاز نفس العمل ، لكن حين تقول : فلان هو الذي يستطيع أن ينجز لك كذا . فهذا يعنى أنه لا يوجد غيره . وهذا هو ضمير الفصل الذي يعنى الاختصاص والقصر ويمنع المشاركة .
لذلك قال الحق :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ . . .
( 104 ) [ التوبة ]
وهل كانت هناك مظنة أن أحدا غير اللّه يقبل التوبة ؟ لا ، بل الكل يعلم أننا نتوب إلى اللّه ، ولا نتوب إلى رسول اللّه . ونحن إذا استعرضنا أساليب القرآن ، وجدنا أن ضمير الفصل أو ضمير الاختصاص هو الذي يمنع المشاركة فيما بعدها لغيرها ؛ وهو واضح في قصة سيدنا إبراهيم حين قال :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ( 70 ) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
( 77 ) [ الشعراء ]