كذلك كان الأمر بالنسبة للمنافقين . لو أن التوبيخ والإهانة كانت ستجعلهم يفيقون ويعودون إلى حظيرة الإيمان ، فهذا دليل على أن هناك أملا في الإصلاح ، وهم لن ينصلح حالهم ، وهم في ذلك يختلفون عن المؤمنين ، فالمؤمن إن ارتكب إثما فهو يستحق العتاب والتوبيخ من إخوته في الإيمان ، وفي هذا إيلام له . والمؤمن عرضة أن تصيبه غفلة فيرتكب إثما ، فإذا حدث بعد هذا الإثم إيلام له من نفسه ، أو بواسطة إخوانه المؤمنين ، فهو يفيق ويشعر بالذنب ، وشعوره بالذنب وصول به إلى التوبة .
أما هؤلاء المنافقون فلا ينفع معهم التوبيخ أو الإيلام النفسي ؛ لأنهم لن يعودوا أبدا إلى حظيرة الإيمان ، ولذلك جاء الأمر : فأعرضوا عنهم ؛ لأنهم لا يستحقون - حتى - اللوم ، فالتوبيخ جزاء على ذنب قد يقلع عنه من ارتكبه . ولكن هؤلاء لا أمل فيهم ، والعلة يأتي بها القرآن :
إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
والرجس يطلق على معان متعددة ، وقوله :
إِنَّهُمْ رِجْسٌ
أي : هم الخباثة بذاتها ، ويقول العلماء :
أي أن فيهم خبثا وقذارة . وأقول : إن الرجس هو القذارة نفسها ، فلا نقول : إنهم قذرون ؛ لأننا إن قلنا ذلك فالمعنى يفيد أنهم طهر أصابهم قذر ، وهم ليسوا كذلك ، إنهم « قذر » في حد ذواتهم ، ولا يطهرهم شئ ؛ لأن الذي يخرج من القذارة يكون مثلها ؛ فهم خباثة لا يطهرها لوم أو توبيخ . وأطلق الرجس هنا مثلما قال الحق :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ . . .
( 28 ) « 1 » [ التوبة ]
ولم يقل : « نجسون » بل هم أنفسهم نجس .
هامش
( 1 ) نجس ينجس نجسا . فهو نجس لحقه دنس أو قذر ، وهو في المحسوس حقيقة وفي المعنوي مجاز ، ويوصف بالمصدر للمبالغة فيستوى فيه المفرد وغيره ، قال تعالى :إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ( 28 ) [ التوبة ] والنجاسة هنا معنوية فهو الكفر والضلال .