وهل ذلك افتئات « 1 » عليهم أم جزاء ؟ يقول الحق :
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
ونعرف أن الحسنة يقال عنها : « كسب » ، والسيئة يقال عنها « اكتسب » « 2 » ، والحق هو القائل :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ . . .
( 286 ) [ البقرة ]
وذلك لأن عمل الحرام المخالف لمنهج اللّه لا بد أن يشوبه الافتعال ، أما عمل الحلال فهو أمر فطرى لا يكلف النفس مشقة ، ولا تتنازع فيه ملكات ، لكن بعض الناس الذين يعملون السيئات يألفونها إلفا بحيث تصبح سهلة ؛ فلا تكلفهم شيئا ، ويعتبر الواحد منهم السيئة كسبا ، كأن تأتى لإنسان ، فيحدثك بمغامراته في الخارج ، ويروى عن رحلاته في باريس ولندن ، وما فعل فيهما من منكرات . هو يظن أنه يحكى عن مكاسب ، ولا يعلم أنه يحكى عن مصائب وقع فيها باختياره .
مثل هذا الإنسان يفعل السيئة ، وهو معتاد عليها ؛ فتصير كسبا . وهو عكس إنسان آخر وقعت عليه المعصية ؛ فيظل يبكى ويبكى ويبكى ، ويندم ، وقد يضرب نفسه كلما تذكر المعصية ، ويندم عليها « 3 » . فالأول فرح بخطاياه ومعاصيه واعتبرها كسبا ، وصارت له دربة وله رياضة وله إلف بتلك المعاصي .
وهنا يقول الحق سبحانه :
هامش
( 1 ) الافتئات : الاختلاق والقول بالباطل .
( 2 ) تعتبر السيئة كسبا عند هؤلاء لأنها أصبحت عادة عندهم .
( 3 ) عن عبد اللّه بن مسعود قال : « إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابة مرت على أنفه فقال به هكذا » . أي : نحاه بيده أو دفعه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 6308 ) وأحمد في مسنده ( 1 / 383 ) والترمذي ( 2497 ) . قال ابن حجر في الفتح ( 11 / 105 ) : « هذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة ، يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السيّىء » .