تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5429

مساهمون:

ص٥٤٢٩
ولو كان للمنافقين قدرة على التدبر لما جاءوا وحلفوا . ولقالوا : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في قرآن يوحى إليه : إننا سنأتي ونحلف ، ونحن لن نأتى ولن نحلف ؛ ولكن لأن اللّه هو القائل وهو الخالق وهو الفاعل ، فقد شاء أن تغيب الفطنة عن أذهانهم ، مثلما قال سبحانه من قبل :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ . . .
( 142 ) [ البقرة ] وهم قد قالوا ذلك بعد نزول الآية « 1 » . والحق سبحانه وتعالى يقول هنا :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ
والانقلاب معناه التحول من حال إلى حال . ومعنى الانقلاب في هذه الآية مقصود به العودة إلى المدينة مقر السّلام والأمن بعد الحرب ، فكأن الاعتدال في القتال والانقلاب في العودة إلى المدينة . ولكن لماذا سيحلف المنافقون بالله للمؤمنين ؟ يقول الحق سبحانه :
لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ
أي : لتعرضوا عن توبيخهم ولومهم وتعنيفهم ؛ لأنهم لم يجاهدوا معكم . فقال الحق :
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ
أي أعطوهم مطلوبهم من الإعراض ولكنه لون آخر من الإعراض ، فلا تلوموهم ولا توبخوهم ولا تؤثموهم ، بل أعرضوا عنهم إعراض احتقار وإهانة ، لا إعراض صفح ومغفرة « 2 » ؛ جزاء لهم على ما فعلوا ؛ لأن التأنيب والتوبيخ هما من ألوان الجزاء على المخالفة ، ولكنه قد يحمل الأمل في المخالف ليعود إلى الصواب . فأنت إن لم يذهب ابنك إلى المدرسة مثلا توبّخه وتعنّفه ، وأنت تفعل ذلك لأنك تأمل في أن ينصلح حاله ، ولكن إذا استمر على مثل هذا الحال فأنت تهمله ، والإهمال دليل على أنك فقدت الأمل في إصلاحه .
هامش
( 1 ) لأن اللّه سبحانه وتعالى يعلم الماضي والحاضر والمستقبل وما فيها ومن فيها . ( 2 ) إعراض الصفح والمغفرة قد ورد في القرآن الكريم في قوله سبحانه في سورة يوسف من قول العزيز ليوسف :يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ[ يوسف : 29 ] أي : اصفح يا يوسف عما حدث واتهمتك به المرأة ولا تذكره لأحد .
تفسير الشعراوى — صفحة 5429 | محمد متولي الشعراوي