الحدود مع الروم طويلة . إذن : فهي غزوة كلها مشقة « 1 » .
وقال المنافقون للمؤمنين
لا تَنْفِرُوا ،
والنفور هو كراهية الوجود لشئ ما . ويقال : فلان نافر من فلان ، أي : يكره وجوده معه في مكان واحد . ويقال : فلان بينه وبين فلان نفور ، أي : يكرهان وجودهما في مكان واحد . والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهبا إلى مكان القتال . ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل اللّه أحب إليه من القعود والراحة .
إذن : فقوله تعالى :
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
أي : أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذرا لعدم الخروج للجهاد ؛ لأن الجو حار وفيه مشقة .
ولكنهم أغبياء ؛ لأنهم لو خافوا من الحر ومشقته ؛ وجلسوا في الظل ومتعته ، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا إلى مشقة زمانها طويل .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
فإن كانوا قد اعتقدوا أنهم بهروبهم من الحر قد هربوا من مشقة ، فإن مشقة نار جهنم والخلود فيها أكبر بكثير . والإنسان إن بشّر بأشياء تسره عاما أو أعواما ، ثم يأتي بعدها أشياء تسوؤه وتعذبه ، فهو بمعرفته بما هو قادم يعاني من الألم ولا يستطيع الاستمتاع بالحاضر ؛ لأن الإنسان يحاول دائما أن يتحمل ؛ ليؤمّن مستقبله . ولذلك تجد من يعمل ليلا ونهارا وهو سعيد ، فإذا سألته كيف تتحمل هذا الشقاء ؟ يقول :
لأؤمن مستقبلي . إذن : فسرور عام أو أعوام تفسده أيام أو أعوام قادمة
هامش
( 1 ) وقد سميت أيضا بغزوة العسرة ، وذلك في قوله تعالى :لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ[ التوبة : 117 ] . قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 396 ) « قال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم اللّه من الجهد ما أصابهم منها جهد شديد ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، فتاب اللّه عليهم وأقفلهم من غزوتهم » .
ولكن المنافقين تخلفوا عن الخروج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ابتداء .