أي : أوضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليه ، ليصلوا معك إلى موقع القتال « 1 » . وقد بيّن لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسبب هذه الأعذار فقال عنهم :
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
( 92 ) [ التوبة ]
إذن : فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن ، وتفيض أعينهم بالدمع ؛ لأنهم حرموا ثواب الجهاد في سبيل اللّه « 2 » . أما الذين يفرحون بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون .
وقوله سبحانه :
خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
نجد فيه أيضا أن كلمة
خِلافَ
تستعمل أيضا بمعنى « بعد » ، أي بعد رسول اللّه ، فما أن ذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للغزوة قعدوا هم بعده ولم يذهبوا . وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب الأعذار الحقيقية ، وكذلك الذين لم يجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم دواب ليركبوها ، هؤلاء هم من تخلفوا . ويبيّن الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول :
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
أي : أنهم كرهوا أن يقاتلوا ، وكرهوا الجهاد . وليت الأمر قد اقتصر على هذا ، بل أرادوا أن يثبّطوا المؤمنين ويكرّهوهم في القتال في سبيل اللّه
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
فهم لم يكتفوا بموقفهم المخزى ، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال . وقد كانت هذه الغزوة « غزوة تبوك » في أيام الحر . وكانت المدينة تمتلئ بظلال البساتين وثمارها ، بينما الطريق إلى
هامش
( 1 ) سيأتي سبب نزول هذه الآيات عند تفسير الآيتين 91 ، 92 من سورة التوبة .
( 2 ) عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض » أخرجه مسلم في صحيحه ( 1911 ) وأحمد في مسنده ( 3 / 300 ) وابن ماجة في سننه ( 2765 ) .