إذن : فالله سبحانه وتعالى قد علم ما يدور في خواطرهم ، فرد عليه قبل أن ينطقوه .
كذلك قول الحق سبحانه :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
والفقه هو الفهم الدقيق . فأنت حين تعرف شيئا بسطحياته تكون قد عرفته ، ولكنك إن عرفته بكل معطياته الخلفية تكون قد فقهته . وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب ، ولكن إذا قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد .
إذن : فعلمك بشئ وهو الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد ، يجب ألا ينسيك ما غاب عنك ، وهو أن نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله نارا أشد حرارة ، يخلد فيها . ومعنى ذلك أنه لم يفقه ؛ لأنه علم شيئا وغاب عنه أشياء .
ومن هذا المنطق القرآني ، رد الإمام على كرم اللّه وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج فقال : « أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه رغبة عنه سيم الخسف » .
ثم يقول بعد ذلك : « إن قلت لكم : اغزوهم في الشتاء ، قلتم : هذا أوان قر وصر . . أي برد شديد . وإن قلت لكم : اغزوهم في الصيف ، قلتم : أنظرنا - أي أمهلنا - حتى ينصرف الحر عنا ، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون ، فأنتم واللّه في النار . يا أشباه الرجال ولا رجال » « 1 »
هامش
( 1 ) من خطبة خطبها الإمام على عندما أغار سفيان بن عوف الأزدي على الأنبار ، فتقاعس المسلمون عن قتالهم فقال : « أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل ، وشمله البلاء ، ولزمه الصغار ، وسيم الخسف ، ومنع النّصف » ثم قال : « فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم : حمارة القيظ ، أمهلنا ينسلخ عنا الحر ، وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم : أمهلنا ينسلخ عنا القر ، كل ذا فرارا من الحر والقر . فإذا كنتم من الحر والقر تفرون ، فأنتم واللّه من السيف أفر ، يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال » انظر خطبته كاملة في كتاب « خطب إمام البلغاء » بتحقيق : عادل أبو المعاطى .
نشر دار الروضة - القاهرة .