فيها سوء وعذاب ، فماذا عن خلودهم في النار ؟
ولكن هل قالوا :
لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
في خواطرهم دون أن ينطقوا بهما ، أم قالوها لبعضهم البعض سرا ؟ ومن الذي أعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما قالوه ؟ نقول : قد يكون ذلك هو ما دار في خواطرهم . وشاء اللّه أن يعلموا أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في نفوسهم . وشاء أن يفضح ما في سرائرهم ، لعل هذا يدخل الخوف في قلوبهم ، من أنه سبحانه مطلع على كل شئ ، فيؤمنوا خوفا من عذاب النار .
ومثال هذا أن الحق حين أراد أن يمنع المشركين من حج بيته الحرام قال :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا . . .
( 28 ) [ التوبة ]
وكان المشركون حين يذهبون إلى الحج ينعشون اقتصاد مكة ، وكان الخير يأتي من كل مكان إلى مكة في موسم الحج ، بل إنهم كانوا يقولون : إياكم أن تطوفوا بالبيت في ثياب عصيتم اللّه فيها ، وكأن التقوى تملأ نفوسهم ! وحقيقة الأمر أنهم كانوا بعيدين عن التقوى لأنهم كانوا يعبدون الأوثان .
وكانوا يقولون ذلك حتى يضطر الحجاج أن يخلعوا ثيابهم ويشتروا ثيابا جديدة ليطوفوا بها ، ومن لا يملك المال يطوف عاريا .
إذن : فقد كان الحج موسما اقتصاديا مزدهرا لأهل مكة ؛ يربحون خلاله ما يكفى معيشتهم طوال العام ، فلما جاء البلاغ من اللّه سبحانه وتعالى :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا .
فالخاطر الذي يأتي في النفس البشرية ؛ وكيف سنعيش ؟ . هذا هو أول خاطر يأتي على البال ؛ لأنه سؤال عن مقومات الحياة ، والذي خلقهم عليم بما يدور في خواطرهم . وإن لم يجر على ألسنتهم ، حينئذ جاء قول الحق سبحانه :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . . .
( 28 ) [ التوبة ]