تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5372

مساهمون:

ص٥٣٧٢
ويبيّن الحق سبحانه وتعالى هنا فطرة رسول اللّه الإيمانية بأنه أذن لهؤلاء بعدم الخروج للجهاد مع أن عذرهم كاذب ؛ فجاء قوله :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
والمقعد هو مكان القعود . والقعود رمز للبقاء في أي مكان . والقيام رمز لبداية ترك المكان إلى مكان آخر ، والذين غزوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قاموا واستعدوا للقتال ، أما الذين تخلفوا فقد قعدوا ولم يقوموا رغبة في البقاء في أماكنهم . ويقول تعالى :
خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
وحين نسمع كلمة
خِلافَ
نعرف أن مصدرها خالف خلافا ؛ ومخالفة ؛ كما تقول : قاتل قتالا ومقاتلة . وهي إما أن تكون مخالفة في الرأي ، كأن تقول : فلان في خلاف مع فلان ، أي : أن لكل منهما رأيا . وإما أن تكون في السير ، كأن تقوم أنت لتغادر المكان ؛ ويخالفك زميلك أو من معك فيقعد ، أو تقعد أنت ، فيخالفك هو ويمشى . والخلاف من ناحية الرأي هو عملية قلبية ، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القالب أو الجسد ، وهم حين فرحوا بالقعود بعد قيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين للجهاد ، فهذا دليل على أن مسألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها . وبذلك خالفوا شرط الإيمان ؛ لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد حددهم القرآن الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
( 91 ) [ التوبة ] وقوله :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
( 92 ) [ التوبة ]
تفسير الشعراوى — صفحة 5372 | محمد متولي الشعراوي