يأتي لرسول اللّه صاغرا ليستغفر اللّه أمامه ، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار .
ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى موضحا سبب عدم غفرانه ، فيقول :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
وحين ينفى الحق سبحانه وتعالى الهداية عن إنسان ، فليس معنى هذا أن يقول الفاسق : اللّه لم يهدني فماذا أفعل ؟ ويحمّل المسألة كلها للّه . بل نسأل الفاسق : لماذا لم يهدك ؟ لأنك فسقت .
إذن : فعدم الهداية من اللّه لك كان بسبب أنك أخذت طريق الفسق والبعد عن منهج اللّه ، ومن هنا فالهداية المقصودة في هذه الآية ؛ ليست هي الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير ؛ لأن الدلالة إلى طريق الخير تأتى من اللّه للمؤمن والكافر ، فمنهج اللّه الذي يبلّغ للناس كافة ، يريهم طريق الخير ويدلهم عليه . ولكن المقصود هنا هو الهداية الأخرى التي يعطيها الحق لمن دخل في رحاب الإيمان وآمن وحسن عمله ، وتتمثل في قوله الحق :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
( 17 ) [ محمد ]
إذن : فكل من مشى في طريق الإيمان أعانه اللّه عليه . وفي المقابل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( 10 ) [ الأحقاف ]
وكذلك قوله سبحانه :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
( 37 ) [ التوبة ]
وأيضا قوله الكريم :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
( 5 ) [ الصف ]
لا نقول أبدا : إن هؤلاء معذورون ؛ لأن اللّه لم يهدهم ؛ لأنه سبحانه قد هداهم ودلّهم جميعا على طريق الخير ، ولكنهم هم الذين أخذوا طريق الكفر والظلم والفسوق .