نعود إلى قصة عبد اللّه بن أبىّ يوم الحديبية : لقد كان الكفار يعلمون أن في نفسه شيئا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن مجىء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منع تتويج عبد اللّه بن أبىّ ملكا على المدينة . وكانوا يعلمون أيضا أنه أسلم نفاقا ؛ فأرادوا أن يحدثوا ثغرة في نفوس المسلمين ، فقالوا : محمد وأصحابه لا يدخلون ، ولكننا نسمح لعبد اللّه بن أبىّ ومن معه بدخول مكة وأداء العمرة فرفض عبد اللّه بن أبىّ وقال : إن لي في رسول اللّه أسوة حسنة ، لا أريد أن أذهب للعمرة إلا إذا ذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا موقف يحمد له .
كذلك كان له موقف آخر في غزوة بدر ، حينما أسر العباس عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان العباس طويل القامة وثيابه تمزقت في المعركة ، فلم يجدوا طويلا مثله إلا عبد اللّه بن أبىّ ، فأعطاهم قميصه ليلبسه العباس ، فلم ينس رسول اللّه ذلك له .
ومن أجل هذا استغفر له رسول اللّه ، لكن الحكم الأعلى قد جاء
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
فليس المهم فقط هو استغفار رسول اللّه ؛ لأن هناك ممحصات للذنب ، فمن أذنب عليه أن يأتيك أولا يا رسول اللّه ، ليستغفر اللّه ، ثم يسألك أن تستغفر له اللّه ، حتى يجد اللّه توابا رحيما ، فسبحانه القائل :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
( 64 ) [ النساء ]
فالذي يريد أن يتوب ويستغفر ، لا يستغفر له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولا ، فلا بد أن يستغفروا اللّه من الذنوب أولا ثم يستغفر لهم الرسول . ولا يستغفر لهم الرسول وهم لا يستغفرون ، وهكذا نعلم أن عبد اللّه بن أبىّ لم يفطن إلى كيفية الاستغفار ، فقد كان عليه أن