تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5354

مساهمون:

ص٥٣٥٤
ويقال : فلان بنجوة عن كذا ، أي : بعيد عن كذا . وأصل النجوى أيضا المكان المرتفع في الجبل ، فكأن المرتفع بالجبل بعيد عن مستوى سطح الأرض . وحين يرغب إنسان أن يكلم أحدا بكلام لا يسمعه غيرهما ؛ فهو يستأذنه في الابتعاد عن بقية الجلوس ليتكلم معه كما يريد ، أو يخفض من صوته فلا يسمعه سوى الإنسان الذي يريد أن يهمس له بكلمة ، ولا يسمعها أحد آخر « 1 » ، ولذلك سموها المناجاة ؛ وهي كلام لا يسمعه القريب ؛ لأنك خفضت صوتك خفضا يخفى على القريب ، فكأنه صار بعيدا . إذن ، فالسر : هو ما احتفظت به في نفسك ، والنجوى : هو ما أسررت به للغير بحيث لا يعلمه من يجالسك . والذين منعوا الصدقة ، لا بد أنهم اتفقوا على ذلك فيما بينهم ، وأنهم تكلموا في هذا الأمر - منع الصدقة - بعد أن صاروا أغنياء ولهم أموال كثيرة ، وتمردوا على منطق الإسلام مع أنهم كانوا حريصين دائما أن يظهروا في إسلامهم مظهرا يفوق المسلمين الحقيقيين ، فكانوا دائما في الصفوف الأولى للصلاة كي يستروا نفاقهم . وحين يوضح الحق سبحانه وتعالى أنهم أسرّوا في نفوسهم كلاما ؛ فهذا الإسرار في النفس حين يخبر به اللّه ؛ هو هتك لحجاب المكان والزمان معا ، وأعلم سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بما دار في هذا الإسرار ، كما هتك له من قبل حجب الزمان الماضي . وذلك في الأمور التي لم يشهدها ، ولم يسمعها من معلم ، ولم يقرأها في كتاب لأنه أمّى ، فأخبر رسول اللّه عن أكثر من أمر لم يشهده ولم يسمعه ولم يقرأه .
هامش
( 1 ) وقد ورد النهى عن مناجاة اثنين دون الثالث ، فعن عبد اللّه بن مسعود قال قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما ، فإن ذلك يحزنه » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2184 ) وأحمد في مسنده ( 1 / 431 ) والترمذي في سننه ( 2825 ) . وقال : حديث صحيح .