من سأله ، بل يعطى من سأله بأسباب تثير عواطفه نحوه ، كأن يقول :
ولدى مريض ، أو احترق بيتي ، فالسائل هنا لا يسأل فقط ، ولكنه يجئ بعلة السؤال مثيرة للعواطف . وهناك من يعطى بغير سؤال .
هي إذن : ثلاث مراحل للعطاء ؛ واحد يعطى من يراه هكذا ؛ مظنة أن حالته رقيقة من غير أن يسأل ، وهذه منزلة من منازل القرب من اللّه ، ينير اللّه بها بصائر قوم لتكون يدهم هي يد اللّه عند خلق اللّه . بل إن هناك أناسا يعاتبون أنفسهم إذا جاء إنسان فسألهم صدقة أو معونة ؛ كالرجل الذي ذهب فطرق الباب ، فخرج إليه صاحب البيت فسأله عما يريد ، فطلب السائل منه مالا فدخل صاحب البيت بيته وأخذ شيئا من مال وأعطاه للسائل ، فعلمت امرأته أنه جاء يسأله مالا فأعطاه ، ولكن الزوج الذي أعطى مالا رجع يبكى . فقالت له : وما يبكيك وقد أجبته إلى مطلبه ؟
فقال : يبكيني أنني تركته ليسألني ، أي : أنه يبكى لأنه لم يملك فطنة تجعله يستشفّ مسائل الناس من حوله ليعطى المحتاجين بغير سؤال .
إذن : فواحد يعطى عن مسألة ؛ تلك مرتبة ، وهناك من يعطى من غير مسألة ، بل يعطى عن فضل عنده ، أي : يملك الكثير ويعطى منه .
وثالث : يعطى نصف ما عنده ؛ يقاسمه فيما يملك ، أو يعطى أكثر ما عنده حسب ما ينقدح في ذهنه من حاجة الإنسان المعطى .
هي إذن ثلاث مراحل : رجل يعطى من غير سؤال ، ورجل يعطى بسؤال فيه أسباب مثيرة ومهيّجة للعاطفة ، ورجل يعطى بمجرد السؤال .
فمن هو البخيل ؟
أفظع درجة للبخل ؛ أن يبخل الرجل على من يسأله مسألة مسبّبة بأحداث تهيج العواطف ، ومع ذلك لا يرق قلبه ، هذا هو البخيل .
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
واحد من هؤلاء لم