تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5353

مساهمون:

ص٥٣٥٣
وقوله سبحانه :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
فيه همزة الاستفهام ؛ ولم النافية مثل قول الحق سبحانه :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
( 1 ) [ الفيل ] ونحن نعرف أن الإخبار بين المتكلم والمخاطب له عدة صور : الصورة الأولى ؛ أن يخبر المتكلم المخاطب بما عنده ، وهذا « خبر » . والصورة الثانية : أن لا يخبر المتكلم مخاطبه بالخبر ، بل يجعل المتكلم نفسه يقول الخبر ، مثل قول أحد المحسنين : ألم أحسن إليك ؟ وكان في استطاعته أن يقول « أنا أحسنت إليك » ، فيكون خبرا من جهته ، لكنه يريد أن يعطى للخبر قوة ، فجعل الكلام من المستفهم منه ، وكأنه عرض الأمر معرض السؤال في معرض النفي ؛ ثقة في أن المخاطب لن يجد إلا جوابا واحدا هو : نعم أحسنت إلىّ . إذن : فالخبر إما أن يكون خبرا مجردا عن النفي ، أو خبرا معه النفي ، أو خبرا معه الاستفهام . وأقوى أنواع الإخبار : الخبر الموجود معه النفي ، والموجود مع النفي الاستفهام ؛ لأن الخبر على الصورة الأولى يكون من المتكلم ، والخبر من المتكلم قابل لأن يكون صادقا وأن يكون كاذبا . ولكن الاستفهام يقتضى جوابا من المخاطب ، ولا يجيب المخاطب إلا بما كان في نفس المتكلم ؛ ولو كان المتكلم يعلم أن المخاطب قد ينكر فلن يسأله . أو يقول لإنسان : أنا راضى ذمتك ، وهذا القول يعنى أن قائله علم أنه لا حق غير هذا ، ومن يدير الكلام في عقله لن يجد إلا أن ما يسمعه هو الحق .
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
وما هو السر ؟ وما هي النجوى ؟ السر : هو ما تكتمه في نفسك ولا تطلع عليه أحدا ، فليس السر هو ما تسرّ به للغير ؛ لأن هذه هي النجوى ، وأصل النجوى البعد .